top of page

"سوڨرا" : اليوتوبيا كتجربة هروب من عوالم القسوة والإعتداء والظلم والطبقية المتوحشة - بقلم : أسامة بن الحاج محمد

  • أسامة بن الحاج محمد
  • il y a 3 jours
  • 12 min de lecture

Dernière mise à jour : il y a 14 heures

نمضي ولا نعلمُ الدّرب غيرَ أنَّا في المسير

نحمل اللّيل علينا واليقين المستجير

"كالي" تُحدّق في النجومِ وتخفي وجعًا منكسِرْ،

تسأل الأفقَ هل تضلُّ الروحُ إن دلّتها نجمة قَدر؟

"لاما" تنهضُ من رماد الأرضْ،

ترمّم ما تهدّمَ في الصبر كي يكتمل السفرْ.

و"الزّاوق" دليل خائف من إنكشاف سرّ ومصرّ،

كيف يهدي الدربَ

وهو لا يعرفُ الدرب إذا نظر؟

يا صوتَ المدينةِ البعيدة،

كيف تفتحُ في الظلامِ بابًا…

ثم ترحلُ دون جواب؟

نصلُ "سوقرا" أو لا نصل…

فالمدينةُ تُبنى في القلوبْ،

والوصول موت يرتقب...


الركحُ كفضاءِ إعتراف


على خشبة تتقاطع عليها الذوات قبل الطرقات، يخرج كل جسد إلى الضوء كي يعرّي هشاشته دون مواربة. هنا لا تُخفي الظلال يدا ترتجف، ولا تستطيع اللغة أن تخادع ما يختبئ في أعماقها من فزع قديم.


فالمسرح طقسُ فضحٍ متبادل، يسائِل فيه الكائن أسباب نجاته كما يسائل أسباب سقوطه، والركح مرآة ليست بتلك التي تُصفّي ملامحنا وتُهذّب صورتنا، هي مرآة حقيقة، قاضٍ لا يُخطئ، وحقيقة لا تُجمَّل، يبحث الواقف أمامها عن أثر الروح حين تهتزّ، عن صدًى قد يُنقذ الذات من هاوية لا قعر لها.


هنا ينطق الصمت، وتذوب المسافات بين ما نُخفيه وما نسمح له بالظهور، فتغدو الإعترافات مادة درامية تُولَد من جديد في كل بُوح لتتدفّق الشخصيات نحو العلن بجرأة غير مستقرة، كأنها تُحاول عبر الكلام إعادة تركيب ذواتها المكسورة، وإختبار قدرتها على النجاة من واقع لا يمتلك أحد فيه بوصلة صالحة.


Senda Ahmadi en robe bleue, expression tendue, serre son cou sur scène sombre avec lumière bleue en arrière-plan. Atmosphère dramatique.
الممثلة البارعة سندة الأحمدي في "سوڨرا" لحاتم دربال. مصدر الصورة : المسرح الوطني التونسي

في "سوڨرا " للمخرج حاتم دربال، يُستعاد جوهر ما يتحدث عنه "أنطونان آرتو"حين يقول بأن "المسرح مكان تتكلّم فيه الحياة بلغتها الملتهبة". لغة لا تتوسل الزخرف، تحتك بحقيقتها العارية، المتفجّرة، المُحرِّقة لا حضور للطمأنينة في هذا الفضاء، هناك فقط تلك الأسئلة التي نهرب منها طوال حياتنا: هل نصعد نحو الخلاص حقًا؟ أم نتقن فن الإعتراف بالهزيمة دون أن نُغيّر شيئًا؟


نرى الخشبة في هذا العرض محكمة للوعي، جميع الوجوه فيها ماثلة أمام مرآة لا ترحم: الممثّلون والمتفرجون معًا، هنا توجد المسافة المرعبة بين الرغبة في العيش وقدرة الجسد على إحتماله.


وقد يكون الإعتراف في النهاية آخر محاولة للبقاء.


"سوقرا"فلسفة العنوان تأمل في الغريب والمكان الغائب


"سوڨرا "، هي جملة ناقصة وصوت موقوف سقط من علٍ قبل أن يكتمل، وهو ليس بالإسم المألوف في القواميس اليومية، تاركًا لنا الفرصة لإستكماله، فتبقى نبرته معلقة بين العربية والخارجة عن المألوف.


هناك حيث الكلمة تقف عند تخوم اللغة على الحافة فتلتقي فيها العجمة بالفصحى، والمنسي بالمألوف، وتشكل بابًا مفتوحًا على المجهول. هو عنوان لا يحيل على شيء محدد، لأن الأشياء في عالم "سوڨرا " فقدت القدرة على الإحالة على ذاتها إذ يصبح الإسم بلا مدلول، والمكان بلا إحداثيات، والذاكرة بلا يقين.


يطرح العنوان أسئلة عن طبيعة "سوڨرا" : هل هي إمرأة أم مدينة؟ صرخة أم أسطورة؟ أثر صوتي لشعوب تتقاطع في الركح ولا تلتقي؟


في الواقع كل عنوان في ذاته وعد، و"سوڨرا" وعد معلّق فكّ حروف كلمتها يكشف إزدواجية بين سوق البيع والقاع، بين المساومة والخراب، بين المعرفة والنجاة، لتصبح ثنائية مجروحة تجمع سوقًا وقاعًا، بيعًا وخرابًا، لغة وصمتًا.


الآن وهنا تظهر بداية الرحلة أن الوصول مستحيل، والكلمات لا تتماسك إلا لتتحطم تحت أقدامنا، فتتحول "سوڨرا" إلى جمرة لغوية تشتعل في داخلنا، ويصبح الصمت شريك الركح، وتخرج الحقيقة مذعورة من مذبحة الكلام المفقود.


فالعنوان غريب، وكل غريب إنذار، والمسرح وطن الغرباء، يحتاج المتلقي فيه إلى لغة أخرى، حيث الأمل وهم، والفعل عاجز، والمعرفة رفاهية لا يملكها الإنسان، ويظل الصوت هو ما يهرب أثناء محاولة الصراخ، فتصبح "سوڨرا" صرخة يختنق بها البشريّ، وعتمة يرى فيها ما تعجز العيون عن إدراكه.


ألا يتجلى هذا في حكمة "جبران خليل جبران" عندما قال: "هذا صبي هائم...تحت الظلام هيام حائر"، فكأن الركح في "سوڨرا" يصبح المكان الذي يجبر الإنسان على مواجهة المجهول، على إختبار صرخته وحدود وجوده، وعلى إدراك هشاشة ذاته في مواجهة الألم والصمت والخراب، وفي نطقنا لهذه الكلمة العنوان نلتمس تجربة لغوية وفلسفية، جمرة تتوهج في أعماق المتلقي، تفرض الإشتباك مع الغريب والمجهول، وتجعله يعي حدود صرخته وسط الركح، حيث الصمت يكتسب حضورًا متساويًا مع الكلمة، والحقيقة تظهر مذعورة لتجد لها مكانًا بين أنقاض اللغة والذاكرة والفضاء المسرحي.


بناء اللحظة الدرامية الأولى وتشكّل الصراع داخل المجموعة


تتخذ الريح المتوهّجة في عرض "سوڨرا " صورة رحلة نحو مدينة فاضلة تحمل الإسم نفسه، رحلة تبدأ من إعتراف أوّل يضع الذات أمام مرآة الخراب الذي يسكنها.


ففي لحظة إنتظار جماعي لولادة الحكاية، تتقدّم الشخصيات نحو الضوء تباعًا، كأنّها تستعد لإمتحان وجودي قاسٍ لا تنفع فيه أيّ ذريعة، إذ تُقدَّم الذوات قبل الصراع، وتُعرَّى النوايا قبل الفعل فلا يظهر التوتّر في البداية، ويخيَّل لنا أنّ اللقاء الأوّل مقتصر على تعارف بسيط.


غير أنّ هذه البساطة تخفي بداية الإنزلاق نحو التشظّي الدّاخلي. هنا نستحضر ما يقوله إدوارد غوردون كريغ بأنّ الشخصية "تنحت وظيفتها الدرامية قبل أن تخوض في الفعل الحقيقي". فالعرض يبني لحظته الأولى على إرساء علاقة مباشرة بين المتفرّج ودوافع الشخصيات، فيقترب المشاهد من النفس الممزّقة لكلّ عنصر من عناصر المجموعة، قبل أن يكتشف أنّ الفعل الدرامي يولد تدريجيًا من الإحتكاك الهادئ بين الرغبات المختلفة والمتضاربة.


إنّ الفرد فوق الخشبة لا يكتمل إلا عبر الآخر، و"الشخصية لا تُرى إلا بقدر ما تصطدم بالآخر" كما يشير ستانيزلافسكي. ومن هنا تتبلوَر ملامح الصراع شيئًا فشيئًا، حيث يتحوّل الإختلاف في الرؤية إلى إرتجاج في الوجود ذاته، فتتقلّب العواطف بين الإنسجام الظاهري والتوتّر الكامن، وتدخل الشخصيات في تجربة إختبار قاسية لمعنى الحياة ومعنى البقاء.


وفي هذا السياق يتقدّم المثلث الدرامي الرئيسي الذي يصوغ توتّر العرض


كالي صاحبة النظرة السماوية الحالمة، تنهض من إنكسارها نحو الفضاء العلوي، رأسها مرفوع دائمًا متستمدّة قوتها من كل ما هو ثابت في الأعلى، بحثًا عمّا يسميه جان جينيه ب"الحقائق التي لا تعيش إلا في العلوّ".


هي جرح يحاول أن يتقدّس بالضوء، وإيمان بأنّ الخلاص إن وُجد فسيأتي من فوق وليس من الأرض التي خانتها.


أمّا "لاما" فهي إبنة الخراب، تحمل آثار السقوط في جسدها وذاكرتها، لا تنظر إلى السماء موالية إلى الأرض التي تخفي تحت ركامها تاريخًا من الحبّ الضائع والفقد القاسي. هي ماشية فوق الندوب، وتفتّش بين الأنقاض عن نقطة إنطلاق كانت يومًا ما واضحة، قبل أن تفتكّ بها خيبة هروب زوج لبناني سلخ قدرتها على السيطرة على مشاعرها فهي مأساة الرغبة العاجزة عن التعافي، كما صاغها جاك لاكان حين تحدّث عن الجرح الذي لا يندمل لأنّ الذات لا تعرف كيف تحيا دونه.


في المقابل، يقف "الزاوّق" بدور الدليل الخبير بالطريق، حافظ المسارات كما يدّعي، صاحب معرفة تمنحه سلطة هشّة على المجموعة. يريد أن يقودهم نحو "مدينة الفرصة الأخيرة"، غير أنّ يقينه ليس سوى صلابة مزيّفة وتضليل مُقنِع سرعان ما ينكشف أنّه محض تخمين وتجرِبة، في إنسجام تام مع فكرة آرتو عن "سلطة مهزوزة تتظاهر بالصلابة".


من هنا، يصبح الصراع في "سوڨرا" صراعًا على معنى الطريق قبل أن يكون على الطريق نفسه. ثلاث رؤى لا يربط بينها سوى الخوف من الضياع، وثلاث خرائط لا تلتقي إلا لتعلن أنّ الحقيقة دائمًا إنسانية أكثر مما نتصوّر، وأنّ البحث عن النجاة هو في حدّ ذاته شكل من أشكال الهزيمة أو بداية الحكمة.


هكذا يولد الصراع تدريجيًا داخل المجموعة : من الإختلاف في الإتجاه، إلى السؤال عن الهدف نفسه. وفي هذا المنزلق الوجودي يتبلور السؤال العميق الذي يرمي إليه مخرج المسرحية حاتم دربال: من نكون حين لا نعرف إلى أين نمضي؟


سينوغرافيا مفكرة تكشف الرغبات والإنكسارات مع موسيقى تولد المعنى في طقس الإعتراف


من حيث الشكل، هذا البناء الدرامي السابق الذي تحدثنا عنه يتوازى مع سينوغرافيا تخدم الصراع الداخلي يٌقترحُ الضوء فيها مسارًا بصريًا يوجّه العين نحو اللحظة الدرامية ويتحوّل الفضاء مع التحوّل النفسي، وتفضح الألوان ما تخفيه الذات من رغبات وإنكسارات وتتبلور هكذا السّينوغرافيا معتمدة الإيحاء وفق مقاربة باتريس بافيس التي تجعل الركح مساحة فكرية تفتح التأويل، ويتحوّل الفضاء وفق تصور يوجينيو باربا إلى عنصر مفكّر يشارك في صياغة المعنى.


كما تتخذ في عرض "سوڨرا" المونولوغات شكل طقس إعتراف يُفعّل عبر عنصر بصري شديد الرّمزية، بابٌ ينفتح بالإضاءة على كل شخصية، فيتحوّل الضوء إلى مفتاح يشرّع أبواب الذاكرة.


الكرسي ينتظر الجسد الذي أنهكته الرحلة، فيجلس المتكلّم على ما يشبه منصة محاسبة الذات وكل شخصية تدخل فضائها ببطء، ثم تُغلق عليها الإضاءة كأن العالم ينكمش داخل حدود ضيقة بين القلب والنَفَس.


هنا ينفصل الممثل عن الآخرين ويتواجه مع حقيقة وجوده وحده، كأن الباب لا يتجه نحو الجمهور، إنّما نحو الداخل الوجودي.


الصّوت "جاش" ينطلق متردّدًا في البداية، ثم يشتدّ تحت وطأة الإعتراف، لا حركة إضافية و الجسد مجمّد، والمقاومة الوحيدة هي مقاومة الشفاه لكشف ما صمتت عنه طويلاً، الكرسي يأسر الجسد حتى يبقى الصوت وحده في ساحة المواجهة.


يتحوّل الركح في هذه المشهدية إلى غرفة إستجواب، والمتلقي يأخذ موقع الحكم على ظلم يدمر الإنسان. وبين فاصل وآخر تنفتح الإضاءة على مساحة قول، ثم تنغلق سريعًا على صدمة المعنى، وتترك أثرًا بصريًا لا يختفي بسهولة إذ أن الباب الذي يبتلع الشّخصية بعد إعترافها يخلق توترًا حول ما يخفيه الظلام خلفه، كأن الحقيقة التي ظهرت لم تجد مكانًا سوى العتمة.


هذا التوزيع المحكم للحظات الإعتراف يقدّم الصراع الداخلي في صورة محسوسة أين يتحول الضوء إلى هواء أخير، والكرسي يصير النفق الذي من خلاله تخرج الروح من عذابات الجسد ومن واقع مدمر. 


هنا تتجلى لحظات كشف لحقيقة الشخصيات الثلاث: "كالي" و"لاما" و"الزاوق"، في بعد وجودي يتجاوز الواقع، حيث نتبيّن بأنهم يعيشون بين أحضان اللاوعي، في لحظات ما قبل رحيل يتأرجح فيها الزاوق بين الحياة والموت في خضم حادث مرور مفاجئ، بينما "لاما" تختار نهاية مأساوية في لحظة يأس، و"كالي" تحترق مدينتها، هاربةً من لهيب النيران.


على هذا الوقع، تلتقي هذه الأرواح في وهم "المدينة الفاضلة"، تلك التي يطمحون إليها، في رحلة البحث عن الخلاص والنجاة، حيث تتداخل الأحلام والواقع في نسيج حركي عميق.


تمنح السينوغرافيا في تلك اللحظة إعتراف الشخصيات بما يؤرقها قوّة تعبيرية أوسع، ويجعل الجمهور شريكًا في هشاشة الكائن الذي يتكلم مع كل باب يُفتح وهو ما يمثّل صعودًا نحو المواجهة، وكل باب يُغلق يشبه سقوطًا في الهاوية الشخصية، نرى بعدهما التعبير متّخذا مكانًا حاسمًا، مغيّرا مسار الفهم، معيدا تشكيل شخصية ظن المتفرّج أنّه يعرفها حق المعرفة.


وهكذا يصل صوت الإنسان إلى قمّة صدقه ضمن صورة تخلو من أي مراوغة، ويقطع الضوء الضيق كل طريق للهروب أمام شخصيات نزعت عن نفسها الأقنعة الأولى التي ظهرت بها عند اللقاء الأوّل وفي باب الإعتراف، تصير الذات سؤالًا مستمرًّا لا يتوقّف عن المطاردة ليعود المسار الدرامي ويكتمل من لحظة بحث يعلنها الجميع أمام الآخرين، إلى لحظة مواجهة تقود الإنسان نحو ما يحاول تجاوزه منذ البداية.


الموسيقى المعتمدة في المسرحية يمكن إعتبارها أداة درامية تنخرط في نسق دلالي مضبوط، حيث إندمج الأداء السمعي داخل البنية الركحية وفق تصور أدائي حديث يعتبر الموسيقى مكوّنا بنائيا مشاركا في توليد المعنى، وهو ما لاحظناه في التكوينات اللّحنية التي إشتغلت على مبدأ التكرار والتنوّع لتثبيت موضوعات بعينها، فإنسجمت الإيقاعات الهادئة مع لحظات الكشف الداخلي للشخصيات، بينما إرتفع الإيقاع الصوتي تدريجيًا تبعًا لتصاعد مستوى الصراع الدرامي، وهذا التوزيع المحسوب للموسيقى أخذ بعين الإعتبار ديناميكيات الفضاء ودرجة التوتّر الشعوري، ما أتاح تحقيق تكامل حسي موجّه للمتلقي عبر مسارات إدراكية مقصودة.


يضعنا عرض "سوڨرا" دون شك منذ لحظاته الأولى داخل عالم مدمَّر بفعل إنهيارات متراكمة، عالم فقد فيه الإنسان قدرته على تحديد بوصلته وسط الركام والفتات المتبقي من مدنية محطّمة، في خضم أحداث رأيناها من خلال ثلاث شخصيات "كالي"، "لاما"، و"الزاوّق" التي إلتقت في محطّة تأسيسية إنكشفت خلالها خلفيات هذه الذوات وأهدافها من الرحلة المنتظرة.



فكل واحدة منها تحمل وجعها الخاص وتجربتها وحلمها، كما تحمل شكوكها وتردّدها، متقدّمة كل منهم أمامنا بخطى حذرة، متجهة نحو مخرج إفتراضي يسمّى "سوڨرا".
بسمة العشي و توفيق العايب في "سوڨرا" لحاتم دربال. مصدر الصورة : أيام قرطاج المسرحية

وتواصل المسار الدلالي ذاته في الخاتمة، حيث تبنّى الخط الموسيقي طابعًا شبه طقوسي يعمّق التأمل في القضايا الفكرية التي يطرحها العرض. لتنتهي الجملة اللحنية بتلاشٍ تدريجي يمنح طابعًا مفتوحًا يواصل إشتغالَه في ذهن المتفرّج بعد غلق العرض. 


هكذا إرتقت الموسيقى إلى مستوى خطاب مستقل يشارك في بناء الدلالة المسرحية ويُسهم في ترسيخ أثر التجربة الركحية في الذاكرة التلقّية.


يضعنا عرض "سوڨرا" دون شك منذ لحظاته الأولى داخل عالم مدمَّر بفعل إنهيارات متراكمة، عالم فقد فيه الإنسان قدرته على تحديد بوصلته وسط الركام والفتات المتبقي من مدنية محطّمة، في خضم أحداث رأيناها من خلال ثلاث شخصيات "كالي"، "لاما"، و"الزاوّق" التي إلتقت في محطّة تأسيسية إنكشفت خلالها خلفيات هذه الذوات وأهدافها من الرحلة المنتظرة.


فكل واحدة منها تحمل وجعها الخاص وتجربتها وحلمها، كما تحمل شكوكها وتردّدها، متقدّمة كل منهم أمامنا بخطى حذرة، متجهة نحو مخرج إفتراضي يسمّى "سوڨرا".


مدينة خلاص ينسجها الخيال أكثر مما يحددها الواقع بإعتبارهم أجساد تتخبّط بفكرها لحظة وفاتها نحو المدينة الفاضلة فتكتمل دائرة المعنى التي إنطلقت منذ البداية فكانت تعارفًا وتعريفًا، وأصبحت في النهاية مواجهة لا مهرب منها، تحوّل الوعد الأول بينهما إلى حقيقة تتكشّف تحت وطأة الإختبار.


وهكذا تنفتح المسرحية على سؤال الإنسان الأزلي: من نكون حين نواجه ذواتنا أمام أعين الآخرين؟ وإلى أي مدى يقدّر البشر مستقبل تطغى فيه التكنولوجيا على الإنسان ؟


سوڨرا الصوت الخارجي والمدينة الناطقة


يتّخذ الـصوت الخارجي (Voix Off) في مسرحية سوڨرا موقعا يقترب من المفهوم الذي حدّده أندري هالبو في نظريته حول "الصوت الذي يسبق الصورة"، حيث يتحوّل الصوت الخارجي إلى مركز إدراكي يعيد تشكيل فضاء العرض من الداخل، ويمنح المدينة قدرة على إعلان ذاتها خارج حدود التمثيل المباشر في إختيار مسرحي يذكّر بالمعالجة التي إعتمدها بيتر بروك في "مهابهاراتا"، حين جعل الصوت قوّة حاكمة وكيانا حيّا تتكلم عناصره قبل شخوصه.


في هذا السياق، تقدم سوڨرا مدينة تتكلم بلغتها الخاصة، فيصبح الـ Voix Off جهازا معرفيا يعكس ما يسميه رولان بارت "الميثولوجيا اليومية"، أي التحولات الدقيقة التي تصنع هوية المكان عبر سرد مستمر لا يحتاج لأي وسيط بصري.


ويتقاطع هذا الطرح مع تجارب حيّة في المسرح المغاربي، لاسيما أعمال الفاضل الجعايبي مثل "جنون" و"خمسون"، حيث يتدخل الصوت الخارجي بوصفه شاهدا أعلى يراقب المجتمع من نقطة لا يصل إليها الجسد، فيولّد وعيا متوترا بين الواقع وتمثيله، وفي إمتداد لهذه المقاربة، تذهب سوڨرا أبعد حين تجعل الصوت صوت المدينة نفسها، مقاربة مشابهة لتجارب ربيع مروة حيث تتحول الجغرافيا إلى ذات ناطقة، فتصبح أصوات المكان وثائق درامية تنتج خطابا يتجاوز الشخصيات وتكشف هشاشتها أمام ثقل الإنتماء المكاني.


ومن زاوية سيميائية، تتحوّل الجملة الصوتية في سوڨرا إلى méta-signe، تملك القدرة على إنتاج معنى مستقل عن الحركة والإيماءة، فتخلق توازيا بين المدينة ككيان رمزي والشخوص كذوات متكسّرة داخلها وهذا التوازي يجد إمتداده في التجارب الأوروبية الحديثة، خاصة مع روجيه بلين وفرانك كاستورف، حيث يعمل الـ Voix Off كمنظومة مراقبة تكشف البنية الإجتماعية وما يختبئ وراء الخطاب الظاهري.


إلى هنا يتحوّل الصوت الخارجي في سوڨرا إلى ذخيرة سمعية معرفية للحيّز، يشكّل ذاكرة إستعادية متداخلة تعكس هشاشة الكائن الإنساني أمام ثقل البنية المكانية والوجودية أين يرسّخ هذا التوظيف الصوتي علاقة تفاعلية ميتافيزيقية بين الأداء الجسدي، الفضاء المسرحي، والبُعد الزمني، حيث يمتزج الحضور البدني للشخوص مع الشعرية السردية و الوجودية السحرية، فتولد تجربة مسرحية تجعل المعنى في هذه التجربة يتجاوز السرد والفعل الحركي، لتتحوّل المدينة إلى شخوص نشطة، والصوت إلى جسد إفتراضي، والمكان إلى ذاكرة حية قادرة على إعادة إنتاج الواقع الإجتماعي والنفسي في صياغة رمزية متعددة الطبقات.


مقارنة بين إخراج "سوڨرا" و"شَوْق": من الواقع الخارجي إلى متاهة الداخل


حاتم دربال هنا في "سوڨرا" واصل المسار الفني الذي بدأه في "شوق" لكنه ينتقل فيه من الإنشغال بالواقع الإجتماعي الخارجي إلى تعرية الذات الإنسانية من الداخل عبر بناء رمزي أكثر كثافة.


ففي "شوق" عاشت الشخصيات داخل فضاء شعبي واضح المعالم تحكمه المواجهة المباشرة بين القاهر والمقهور، بينما تظهر الشخصيات في "سوڨرا" مشرذمة ومنكسرة تبحث في دواخلها عن مدينة خلاص لا تتجاوز حدود الحلم.


ويتجلّى الإختلاف أيضًا في الأسلوب الإخراجي، إذ إعتمد دربال في "شوق" لغة بصرية غنية ترتكز على حركة الجسد وتفاصيل المكان، في حين إتّخذ من الضوء والصوت في "سوڨرا" عناصر أساسية لبناء الدلالة، فتقلّصت السينوغرافيا لتغدو مرآةً للوجع الداخلي بدل أن تكون إعادة تشكيل للواقع المادي.


كما تحوّل الصراع من خطّية تقوم على حدث إجتماعي واضح إلى توتّر وجودي حلزوني يعيد الشخصيات نحو أصل الأسئلة الكبرى دون إنتظار نهاية حاسمة.


وتبرز المونولوغات الإعترافية في "سوڨرا" كتطوير لخيارات دربال الجمالية، إذ ينفرد كل ممثل بمنطقة ضوء تكشف هشاشته وتفكّك أقنعته ليصبح الإعتراف فعلًا دراميًا قائمًا بذاته، خلافًا لما كان عليه الأداء الجماعي في "شوق".


ومع هذا التحوّل يصبح للموسيقى دور فكري يرافق النبض النفسي للشخصيات بدل وظيفتها التعليقية في العمل السابق.


وبذلك يخطو حاتم دربال في "سوڨرا" نحو مسرح يحفر في الوجود الإنساني العالق بين الحياة والموت، منتقلًا من خطاب إجتماعي مباشر إلى لغة ركحية تتأمل الإنسان في زمن فقد بوصلته، وهو إنتقال يؤكّد تطوّرًا نوعيًا في رؤيته الإخراجية وقدرته على تجديد أدوات التعبير المسرحي.


من جرأة الرمز إلى تعثر الحدث : إختلال بين الفكرة وتجسيدها الركحي


قدمت "سوڨرا" تجربة ركحية جريئة تسعى إلى الغوص في أعماق الوعي الإنساني واللاوعي الفردي، مستندة إلى رمزية كثيفة وبنية درامية تقوم على مونولوغات الإعتراف الفردية، والضوء والموسيقى كعناصر أساسية في توليد الدلالة.


بيد أن هذه الطموحات الجمالية والفلسفية، رغم جاذبيتها النظرية، تكشف عن مجموعة من النقاط التي تؤثر على قابلية العرض للفهم والاستيعاب لدى المشاهد العام.


وأول ما يلحظه المتفرج هو الإنغماس المفرط في الرمزية، الذي يجعل الفضاء والمكان والمدينة الفاضلة التي يسعى إليها الأبطال، عناصر أكثر تجريدًا منها ملموسة عبر الرموز البصرية والإضاءة المركّزة والمونولوغات الفردية المستمرة التي جعلت المسرحية تجربة فكرية أكثر منها تجربة عاطفية، بحيث يُبعد هذا التركيز الشديد على الداخل النفسي للممثلين الجمهور عن التعاطف المباشر مع الشخصيات وأحداثها، وقد يشعر المشاهد أحيانًا بأن المسرحية تتحوّل إلى عرض للصور والأفكار بدل سردية ملموسة.


من ناحية أخرى، يمكن ملاحظة ضعف الحبكة وتأخر الفعل الدرامي، حيث تحتل المشاهد مساحة كبيرة من العرض في مونولوغات طويلة ومؤثرة، لكن دون تفاعل ملموس بين الشخصيات.


هذا التمهيد الطويل يجعل الإيقاع العام للمسرحية متباطئا ويؤخر تقديم الصراع أو الحدث الرئيسي الذي من شأنه أن يشد الإنتباه، وبالتالي يتحوّل العرض في بداياته إلى إستعراض نفسي أكثر من كونه قصة متكاملة أو رحلة درامية متصاعدة.


كما أن الشخصيات رغم عمقها النفسي تبدو أحيانًا غير متوازنة، إذ تمثل "كالي" و"لاما" و"الزاوّق" صورا فلسفية للأرواح البشرية أكثر من كونها شخصيات مكتملة الأبعاد يمكن التعاطف معها.


كذلك بعض القرارات المصيرية للشخصيات : مثل هروب "كالي" أو نهاية "لاما" المأساوية، تظهر فجائية أحيانًا. مما يوحي بأنها أدوات رمزية أكثر من كونها نتاجًا منطقيًا لتجاربهم السابقة، وهو ما قد يقلل من إقناع الجمهور ويزيد إحساسه بالمسافة بينه وبين الشخصيات.


ومن زاوية أخرى نجد الموسيقى والإيقاع الصوتي الذين، رغم دورهما الفاعل في تحديد التوتر النفسي وتعميق التأثير الوجداني، إلا أن المبالغة في تصعيد الإيقاع الصوتي والموسيقي في كل إعتراف قد تشعر المشاهد بأن الصوت يتحكّم بالعاطفة بدل أن يكون تابعًا لها.


وهو ما يضع المسرحية على مسافة من الإنسيابية الطبيعية للحدث، ويحوّلها أحيانًا إلى تجربة موسيقية أكثر من كونها رحلة درامية متكاملة.


أخيرا، يمكن الإشارة إلى المبالغة في الفلسفة الركحية والإنغماس في المأساة التكنولوجية والوجودية، حيث يبتعد العرض عن ملمس الواقع الإجتماعي والإنساني الذي يمنح الأحداث صدى أقوى، فيتحول إلى تأمل نظري مكثف يواجه الجمهور بتحد فكري أكثر من إعتباره تجربة عاطفية قابلة للعيش والتفاعل المباشر.


عموما يمكن الإستنتاج بأن "سوڨرا" هو عمل جمالي وفلسفي يتسم بالجرأة والرؤية المميزة، لكنه يواجه تحديات أساسية في التوازن بين الرمزية والحدث، بين الفكر والعاطفة، وبين التعمق النفسي والتفاعل الدرامي.


فالرؤية الإخراجية لدربال، رغم نضجها، قد تؤدي إلى فقدان الجمهور في متاهة الرموز والأفكار قبل الوصول إلى "المدينة الفاضلة" المفترضة، وهو ما يجعل المسرحية أكثر إغراء للباحث الأكاديمي أو المتفرج المطلع على المسرح الرمزي، وأقل إقناعًا لجمهور عادي يبحث عن سردية واضحة أو تجربة عاطفية مباشرة.


حين تصير الركح يوتوبيا معلّقة


في "سوڨرا" يعود حاتم دربال إلى منابعٍ سحيقةٍ من الحلم الإنساني، إلى تلك اليوتوبيا الأفلاطونية التي ترفض الإستسلام لخراب الواقع، لكنها في الآن ذاته تصطدم بكلّ عنف مع جدران مجتمع المراقبة كما يصفه ميشال فوكو، حيث يصبح الجسد مستهدَفًا، محاصرًا، ومحدّد الملكية.


فالجسد في هذا العرض ليس أداة تمثيل بقدر ماهو وثيقة إدانة تكشف ما تُخفيه السلطةُ من قسوة، وما تواريه الجماعة من هشاشة.


إنّ دربال، وهو يشيّد هذا العالم المسرحي بنبرةٍ أقرب إلى مسرح القسوة عند أنطونان أرتو، يدرك أنّ الخلاص لا يتحقّق إلا بقدر ما يُعاد تفكيك الألم على الركح، بقدر ما تُستفزّ الروح كي تخرج من رقعة الصمت إلى فضاء الصراخ.


هنا ينكشف المسرح كطقس عبور كما عند فيكتور تيرنر يتحوّل فيه المتفرّج ذاته إلى شاهدٍ على جراحه الخاصة. فمن دون ندوب… لا ولادة ثانية.


وتبدو "سوڨرا" وكأنها تُجسّد تلك المنطقة التي يصفها جيل دولوز بـ"خطوط الهروب"، لكنها خطوط لا تخلو من السقوط والإنكسار، إذ ما إن تهرب الشخصيات من قسوة العالم حتى تفاجئها مرآته وراءها، تذكّرها بأنها محكومة بلعنة الإنتماء.


هنا يتراءى الركح كأرضٍ بينية


لا هو أرض المنفى

ولا هو أرض الوطن

هو حيّز البرزخ الإنساني الذي تتصارع فيه الهشاشة مع الرغبة…


وفي خلفية هذا كلّه، يلوح صدى التراجيديا الإغريقية حيث لا فكاك من القدر، غير أنّ دربال يحوّل هذا القدر إلى خيار فنيّ وجماليّ : خيار التمسّك بالحلم ولو على تخوم الموت.


وهكذا يغدو الخلاص في "سوڨرا" إصرارًا على الحياة رغم ثقل العالم، تمامًا كما عند كامو في عبث سيزيف الذي يواصل حمل صخرته فرحا.


في زمن تتهاوى فيه المعاني تحت وطأة التفاهة والإستهلاك، يُصرّ المسرح هنا على أن يبقى فنّ النجاة الأخيرة، حيث الصمت أبلغ من الصراخ، وحيث الضوء يكشف ما تعجز اللغة عن قوله.


لذلك قد تكون "سوڨرا" هي لحظة وعي أخرى في المسرح التونسي : وعيٌ بأن الركح ما زال قادرًا على إعادة نحت الإنسان، والإنتصار له حتى حين يُهزم، والإيحاء كما كتب محمود درويش بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".



ملاحظة : أنقر الكلمات الملونة بالأزرق للتعرف على المراجع المعتمدة في هذا المقال النقدي

2 commentaires

Noté 0 étoile sur 5.
Pas encore de note

Ajouter une note
ايهاب الحسناوي
il y a 2 jours
Noté 5 étoiles sur 5.

جميل جدا

J'aime

Khmaies Ben Younes
il y a 2 jours
Noté 5 étoiles sur 5.

Bravo Oussama quel article, il contient un effort intellectuel indéniable même si Sogra signifie Argos, la ville grecque.

J'aime
 À l'affiche

    Lancé en 2015, culturetunisie.com avait une vocation de formation à l'écriture sur l'art avant de se transformer en 2020 en une plateforme spécialisée dans la couverture des manifestations artistiques et culturelles en Tunisie. Aujourd’hui, culturetunisie.com propose des articles journalistiques, des interviews et des portraits en trois langues : arabe, anglais et français.  

    Pour toute information, veuillez contacter Mohamed Ali Elhaou, fondateur de ce support culturel, à l'adresse suivante : elhaou@gmail.com

    Vos informations ont bien été envoyées !

    bottom of page