top of page

عرض النوبة للمرحوم الفاضل الجزيري : جدلية الأصالة والتجديد في الفن بعد أكثر من ثلاثة عقود من هذه النشوة الجماعية - بقلم يسرى شيخاوي

  • يسرى الشيخاوي
  • il y a 2 jours
  • 4 min de lecture

Dernière mise à jour : il y a 1 jour


 لم أكن قد أتيت إلى هذا العالم بعد حينما انبلج صيف سنة 1991 عن حدث فني اعتبر حينها استثنائيا وإبداعيا في أعين الجمهور وأهل الموسيقى على حدّ سواء.

 

ومنذ أن صرت أعي معنى أن أرقص وأن أغنيّ وجدتني وجها لوجه مع عرض النوبة التونسية، أتمايل بخطوات مبعثرة وغير متوازنة على وقع عزف لا أعرف من أدواته حينها سوى "الدربوكة" وأردّد مقاطع من الأغنيات كانت تبدو على هيئة الطلاسم.

 

كبرت وزرعت فيّ أمي وجدّتي حبّهما للنّوبة، في ذروة غبطتي أسمع مقاطع منها وحتّى في قمّة حزني لا أستغني عنها حتى أصبح سماعها طقسا لا غنى لي عنها ولا ينبع حبي لعرض النوبة فقط من كونه مفعما بالذكريات والحنين بل أيضا من كونه فضاء التقت فيه أقطاب الأغنية الشعبية والبدوية على أرضية معاصرة.


وسطرت النوبة عام 1991 على ركح قرطاج الدولي بداية التجديد في عالم الموسيقى الشعبية والبدوية وقطعت مع السائد والنمطي حينها وأوجدت خيطا رغم أنه كان رفيعا إلا أنه مثّل رابطا بين مختلف الأقطاب الموسيقية التي أثثت العرض.


مقطع "الكبدة مشوية" مع الأسطورة إسماعيل حطاب.  مصدر الصورة culturetunisie.com
مقطع "الكبدة مشوية" مع الأسطورة إسماعيل حطاب. مصدر الصورة culturetunisie.com

الخيط الرفيع هو الطابع الفرجوي واللمسة المشهدية الذين وسما العرض فكان مسرحا للوحات فنية حاول الفاضل الجزيري أن تكون متناسقة ومترابطة فأفلح في مواضع وخاب في مواضع أخرى ذلك أن المزج بين الإيقاعات البدوية والجاز الغربي كان بمثابة مرج البحرين لا يلتقيان.

 

و جمع العرض الذي كان إحدى تعبيرات "جنون" الفنان الموسيقي سمير العقربي  بين ايقاعات شعبية مختلفة على غرار الربوخ والفزاني والعروبي والنوبة التي تميز الوسط الغنائي التونسي والجاز الغربي.

 

ويعرف الربوخ على أنه غناء "الزوافرية" وهي تدريج للكلمة الفرنسية "les ouvriers” وتعرّفه بعض المصنّفات على أنه غناء في الأوساط العمالية.

 

والفزاني" وهو إيقاع رشيق وسريع وراقص، فيما يعتمد "العروبي" على الارتجال ويجنح إلى استعمال أبيات من الشعر الشعبي. وتعدّ النوبة من الطرق التعبدية الشعبية التي يتم من خلالها التغني بأولياء الله الصالحين سواء داخل الزوايا أو خارجها.

 

كان عرض النوبة فرصة لاستحضار التاريخ الشعبي التونسي حيث خيّر الفاضل الجزيري محاكاة الأعراس التقليدية  فأستهلّ العرض بـ" الفزعة " أي الترحيب وهي عادة شعبيّة في تونس كما جلس جزء من الجمهور مباشرة أمام العازفين في مشهد مستوحى من حفلات الزواج.

 

وانطلق العرض بظهور رجل يرتدي زي "الدنقري" الشائع ارتداؤه في تلك الفترة وهو يجرّ ماعزا كبيرا...كبيرا من قرنيه ويظهر في المشهد رجل يرتديي "الشاشية" ويضع مشموما خلف أذنيه ينقر على الطبل فيما يواصل صاحب الدنقري جر الماعز ويظهر رجل يرتدي "الجبة" ترافقه إمرأة ترتدي "السفساري" قادمين بعد أن أزفت ساعة "الفزعة".

 

وارتفع قرع الطبول وقدم فرسان على أحصنتهم يلبون النداء وفتاتان ترقصان بخنجرين ويلوح عضو من الفرقة "بالزكرة". تكشف صاحبة السفساري عن رأسها وتتمايل يمينا وشمالا على وقع الطبل فيما يصطف أعضاء الفرقة بطبولهم وتظهر من خلفهم نار متقدة تستعمل في تسخين الآلات الإيقاعية " الدربوكة" و"الطبلة" و"البندير".

 

ويرتفع الايقاع وترتفع سواعد قارعي الطبول وتنزل في حركة منتظمة ولا تتوقف صاحبة السفساري عن التمايل فيما يسيل دم الجدي المنحور ويتهافت أعضاء الفرقة على الركح وبعد حوالي 3 دقائق ينبعث صوت آلة نفخ.

 

وتبوّأ كل المشاركين في العرض أماكنا على الرّكح وغنى لطفي بوشناق "نمدح الأقطاب" و"احتل" الهادي حبوبة الركح بأغنية "طيح لتالي" واعتلى حبوبة الركح مرة أخرى بأغنية "بابا عبد الله" وغنى الأغنية البدوية الكبير والأسطورة اسماعيل الحطاب "بين الوديان" ثم "دزيتيلي هاني جيتك" وغنى اثره صالح الفرزيط "حنّ علينا يا لميمة" والتحق به الهادي حبوبة في وصلة سيدي عبد القادر الجيلاني.

 

وقدم صلاح مصباح أغنية" يما لسمر دوني" وعاد اسماعيل الحطاب بـ "الدغباجي" والهادي حبوبة بـ "أكدلالي" وليليا الدهماني "يا أم العوينة الرزقاء" والهادي حبوبة بـ "بجاه الله يا حبّ اسمعني" وفاطمة بوساحة "والله ما يرويني".

 

ولم تمثّل النوبة في تلك الفترة مجرّد عرض موسيقي وإنما سعى من خلالها الفاضل الجزيري إلى جعلها لوحة يتماهى فيها الطابع التراثي مع اللمسات العصرية.


النوبة قرطاج 1991 كاملة

وأخرج الفاضل الجزيري التراث في حلة عصرية فجمع على نفس الركح عشرات آلات القرع على غرار الطبلة والدف والمزود والزكرة وآلات عصرية مثل الكمنجة والبيانو و"الغيتار الكتريك" كما زاوج بين "الصانعات" وهن الراقصات الشعبيات وراقصين قدموا عرضا عصريا خلف الركح الكبير في مسرح قرطاج.

 

وتتالت الأغاني بشكل فرجوي متناسق متجانس في ظاهره ولكن إذا ما دقّقنا في الإيقاع الموسيقي خلال العرض سيسترعي انتباهنا أن إيقاعات الآلات الغربية التي تم توظيفها على غرار البيانو والغيتار لم تمتزج بشكل جيد مع إيقاعات الآلات التقليدية حتى أنها بدت في بعض المواضع بمثابة النشاز خاصة حينما يرتفع صوت "الغيتار الالكتريك".

 

وبدت الموسيقى الصادرة عن البيانو والأخرى الصادرة عن المزود وكأنهما تسيران في خطان متوازيان ذلك أن آلات المزود لا تخضع لنفس القواعد الموسيقية التي يخضع لها البيانو وهو ما كان ينبغي للعقربي التركيز عليه أكثر في عرض النوبة حتى لا يتهم بتشويه خصوصية الموروث الغنائي التونسي.


والممعن في متابعة عرض النوبة والمدقق في تفاصيله سيلاحظ أن الهادي حبوبة قد "عجز" في بعض المواضع على الموازنة بين خطواته في الرقص والإيقاعات الغربية التي شوشت على إيقاع المزود.

 

ويفتح عرض النوبة النقاش حول قضية أصالة الموروث الغنائي التونسي وعلاقته بالتجديد و"التعصير "خاصة من ناحية الحفاظ على الخصوصيات الفنية للتراث أو الغناء البدوي التي تميّزه عن غيره من الأنماط الموسيقية.


وقد ارتكز سمير العقربي على المادة البدوية والشعبية كأرضية لإضفاء مسحة عصرية على الغناء الشعبي والبدوي إلا أنّه لم ينجح في الموازنة بين الخصوصيات الفنية "التراثية" والخصوصيات الفنية "المستحدثة" حتى بلغ الأمر حدّ التضارب بين المميزات الفنية للعصري والتراث في بعض المواضع.


إذ لم يوفّق العقربي في إيجاد معادلة لملاءمة المادة الموسيقية الشعبية وفق قواعد الموسيقى الغربية أو العكس غير أن هذا لا ينفي سعي العقربي إلى تطوير الخطاب الموسيقي وتكييفه مع متطلّبات العصر.

 

ورغم الانتقادات التي وجّهت إلى عرض النوبة على غرار تشويهه خصوصيات الأغنية الشعبية والبدوية إلا أنها تظل تجربة "إبداعية" رائدة وأيقونة موسيقية خالدة في الموسيقى التونسية على اعتبار الطابع التجديدي الذي اكتسته.


كتب هذا المقال في نوفمبر 2017

Commentaires

Noté 0 étoile sur 5.
Pas encore de note

Ajouter une note
 À l'affiche
Derniers articles
Archives

    Lancé en 2014, ce site avait initialement une vocation universitaire avant de se transformer en l'un des rares espaces spécialisés dans la critique culturelle en Tunisie. Aujourd’hui, il propose des articles multimédias en trois langues : arabe, anglais et français. Pour toute information complémentaire, vous pouvez contacter Mohamed Ali Elhaou, fondateur de ce média culturel, à l'adresse suivante : elhaou@gmail.com

    Vos informations ont bien été envoyées !

    bottom of page