top of page

"الهاربات" لوفاء الطبوبي : سرديات الانكسار وإيقاعات المقاومة - بقلم حسام صفر

  • حسام صفر
  • il y a 20 heures
  • 3 min de lecture

Dernière mise à jour : il y a 5 heures

تواصل المخرجة وفاء الطبوبي في مسرحيتها "الهاربات" مشروعها الإبداعي الذي بدأته في "آخر مرة" (2021)، إذ تنطلق مرة أخرى من الهامش الاجتماعي لتفحص عبره تشققات الواقع التونسي وتعيد مساءلة الإنسان في علاقته بظروفه القاسية وأسئلته الوجودية.


يأتي العرض يوم 25 نوفمبر 2025 مساء في قاعة الفن الرابع بالعاصمة تونس، الذي قُدّم ضمن المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية الدورة 26، بوصفه لوحة مركبة تُجاور فيها الشخصيات أوضاعًا متنافرة وتنفتح على مسارات حياة مختلفة، لكنها تلتقي جميعًا في نقطة واحدة : رغبة عارمة في الهروب من واقع ضاغط ومن انسداد الأفق.


وقد مثّل الأداء التمثيلي أساس القوة في العرض، إذ تجلّت قدرة الممثلين على بناء حضور داخلي صادق، فكانت فاطمة بن سعيدان مثالاً لامرأة تخفي قوتها خلف هشاشتها، ولبنى نعمان تجسيدًا لمحاولة الفرار من صورة اجتماعية مطاردة، ومنيرة الزكراوي وأميمة البحري وصابرين عمر وجّهن حكايات نسائية تعكس ثقل الجسد والعمل والأحلام المكسورة، فيما قدّم أسامة الحنايني وجهًا رجاليًا آخر يذكّر بأن الوجع لا يقتصر على جنس دون آخر. 

وقد مثّل الأداء التمثيلي أساس القوة في العرض، إذ تجلّت قدرة الممثلين على بناء حضور داخلي صادق، فكانت فاطمة بن سعيدان مثالاً لامرأة تخفي قوتها خلف هشاشتها، ولبنى نعمان تجسيدًا لمحاولة الفرار من صورة اجتماعية مطاردة، ومنيرة الزكراوي وأميمة البحري وصابرين عمر وجّهن حكايات نسائية تعكس ثقل الجسد والعمل والأحلام المكسورة، فيما قدّم أسامة الحنايني وجهًا رجاليًا آخر يذكّر بأن الوجع لا يقتصر على جنس دون آخر.
شخصيات مسرحية "الهاربات" صورة مبتكرة من موقع "فن تونس" من خلال صور مريم الشعباني

وكأن وفاء الطبوبي تعلن منذ البداية أن الهروب ليس خيارًا بقدر ما هو قدر جماعي يعيشه التونسيون اليوم.


يحتضن فضاء الانتظار في محطة النقل العمومي هذه الشخصيات المتنوعة: أستاذة غير مرسّمة معلّقة بين حب المهنة وغياب الاستقرار، و خريجة حقوق تقف على عتبة حلم بالعدالة أكبر من شروط واقعها، وعاملة تبحث في الزواج عن نجاة اجتماعية، وامرأة تجمع القوارير البلاستيكية كي تبقى على قيد الحياة، وعجوز تخلّى عنها أبناؤها، ورجل يعمل ليلاً منهكًا بنفقة أبنائه وبطاحونة العيش اليومي.


تتقاطع هذه المصائر في فضاء يبدو خاليًا من الزخارف لكنه ممتلئ بأجساد منهكة وصراعات مضمرة، ما يجعل الركح يتحوّل إلى مرآة صادقة لطبقات اجتماعية مهشّمة تتشبث بأمل ضعيف في مستقبل أبسط وأرحم.


تستخدم وفاء الطبوبي بنية درامية تتجاوز الحكاية الخطية، فالمسرحية مبنية على تداخل الأصوات وتقطّع السرد بطريقة تُذكّر ببريشت حين يدفع المتفرج إلى التفكير بدلًا من الانغماس العاطفي الكامل.


تتعاقب المشاهد بين لحظات صاخبة تنفجر فيها الشخصيات بالغناء والصراخ والرقص، وبين لحظات هادئة تستسلم فيها للبوح، فيتشكّل إيقاع داخلي متوتر يعكس حالة المجتمع نفسه.


إنّ هذا التشظي الدرامي لا يُضعف وحدة العرض، إنما يؤسس لشكل سردي جماعي يتيح لكل شخصية أن تظهر كصوت مستقل ضمن جوقة إنسانية واحدة.


وقد مثّل الأداء التمثيلي أساس القوة في العرض، إذ تجلّت قدرة الممثلين على بناء حضور داخلي صادق، فكانت فاطمة بن سعيدان مثالاً لامرأة تخفي قوتها خلف هشاشتها، ولبنى نعمان تجسيدًا لمحاولة الفرار من صورة اجتماعية مطاردة، ومنيرة الزكراوي وأميمة البحري وصابرين عمر وجّهن حكايات نسائية تعكس ثقل الجسد والعمل والأحلام المكسورة، فيما قدّم أسامة الحنايني وجهًا رجاليًا آخر يذكّر بأن الوجع لا يقتصر على جنس دون آخر.


لقد شكّل هذا الأداء الجماعي المتناغم نواة العرض، إذ بدا كلّ ممثل حلقة في شبكة متينة تحفظ إيقاع الجسد والصوت والحركة.


السينوغرافيا


جاءت السينوغرافيا مقتصدة ومشحونة بالدلالة : فضاء فارغ تقريبًا، وإشارات تحذيرية من نوع "ممنوع" و"إنتبه أشغال" تحوّلت إلى رموز لمجتمع معطّل يبحث عن إصلاح لا يأتي.


الإضاءة بدورها شاركت في التفكيك البصري للخطاب، إذ تحوّلت من الانفجار إلى الانطفاء وفقًا لمنحنيات الشخصيات الانفعالية.


أما موسيقى للمبدع هاني بلحمادي، فقد أدّت وظيفة درامية واضحة، فهي نبض داخلي يصعد مع التوتر وينخفض مع الانكسار، ما جعلها شريكًا أساسيًا في عملية البناء الجمالي.


تكشف "الهاربات" في جوهرها عن مشروع فني يسائل المسكوت عنه، ويعرّي هشاشة الإنسان التونسي أمام واقع اجتماعي مضطرب.


لا تقدّم الطبوبي حلولاً جاهزة، إنما تضع المتفرج أمام مرايا متعددة لوجعه وصمته، وتدفعه بطريقة غير مباشرة إلى التفكير في مسؤوليته، وكأنها تتعمّد إيقاظه من سلبيته كما في المسرح الملحمي.


يخرج المتفرج من العرض محمّلًا بوعي مُرهق، لكنه واعٍ أكثر بما يختبئ خلف الوجوه العادية والقصص البسيطة التي تعبر الشارع يوميًا.


هكذا تتجلى "الهاربات" كعرض لا يكتفي بسرد حكايات فردية، إنما يصوغ خطابًا مسرحيًا يمزج بين الواقعية والرمزية، بين النقد الاجتماعي والجماليات الأدائية، ليقدّم عملًا إنسانيًا ينتمي إلى اللحظة التونسية لكنه يعبّر في الوقت ذاته عن أسئلة كونية حول الكرامة والعدالة ومعنى العيش في عالم غير عادل أين الظلم وسوء المعاملة هو الخبز اليومي أو يكاد.


إنه عرض يثبت مرة أخرى قدرة المسرح على مساءلة الواقع بلغة فنية جمالية، وعلى تحويل الألم إلى مادة فنية تُرى وتُسمع وتُفهم.



ملاحظة : أنقر الكلمات الملونة بالأزرق للتعرف على المراجع المعتمدة في هذا المقال

1 commentaire

Noté 0 étoile sur 5.
Pas encore de note

Ajouter une note
خميس بن يونس
il y a 19 heures
Noté 5 étoiles sur 5.

شكرا على هذا المقال البسيط والناجح

J'aime
 À l'affiche

    Lancé en 2015, culturetunisie.com avait une vocation de formation à l'écriture sur l'art avant de se transformer en 2020 en une plateforme spécialisée dans la couverture des manifestations artistiques et culturelles en Tunisie. Aujourd’hui, culturetunisie.com propose des articles journalistiques, des interviews et des portraits en trois langues : arabe, anglais et français.  

    Pour toute information, veuillez contacter Mohamed Ali Elhaou, fondateur de ce support culturel, à l'adresse suivante : elhaou@gmail.com

    Vos informations ont bien été envoyées !

    bottom of page