زعمة يصافي الدّهر : من قصّة حزن إلى الخلود الفني
- جيهان رحال و نسرين بن محمود و شيماء تابعي
- Nov 18, 2018
- 3 min read
Updated: Dec 6, 2025
منذ عشرات السنين، تترنّم على مسامعنا أنغام الأغنية التونسية "زعمة يصافي الدهر" و لا نعلم حقيقة مأتاها و الحال أنّها نِتاج لقصّة حبّ حزينة عاشها ملحّنها محمد التريكي.

ولدت هذه الرائعة الموسيقية سنة 1921 ليقدمها التريكي بعد ذلك إلى الرشيدية سنة 1934 ثم سجلتها أشهر فنانة تونسية على الصعيد العالمي في ذلك الوقت المطربة فتحية خيري عام 1936 مع إبراهيم رصاصيي.
غنتها فيما بعد أسطورة الأغنية، الساحرة ذات الصوت القوي والبدوي الراقي صليحة و أدتها لاحقا السيدة نعمة، عندما تكونت الفرقة الموسيقية للإذاعة في بداية الأربعينيات من القرن الماضي.
سِرّ الأغنية
"زعما يصافي الدهر" أغنية جمعت عدة طبوع. الطابع هو المقام التونسي. هي تلقب "بناعورة الطبوع" : كل بيت من نغمة ولهذا تعتبر متن أو ديوان للنغمات.
أما معاني الكلمات فهي تترجم معاناة الملحن محمد التريكي الذي خسر حبيبته بسبب عمله في مجال الموسيقى، فالأب جعل شرط الزواج اعتزال التريكي للفن. يقول محمد التريكي في حوار تلفزي على قناة التلفزة التونسية أجراه في بداية التسعينيات "أنا حبي و أيماني بالموسيقى، هذيكا حياتي".
فالموسيقى هي محركه الأساسي على الرغْم أن العشق هو نكهة الحياة. بعد هذا الفراق عاش محمد التريكي حالة حزن قاسية ألزمته الفراش و حبيبته فارقت الحياة مخلفة ندبة في قلبه. ترجم هذه المشاعر القاسية والمدمرة عبر أغنية "زعما يصافي الدهر" فلحنها لنفسه و ظل يعيش بها في قلبه و عقله قبل أن يقدمها للراشيدية.
الموسيقى تولد من رحم الأحزان
من طبيعة المبدع محاولة نسيان أغلب ما يمر على حياته من مآسي و أحزان و لكنّ الموسيقي غالبا ما تصاحب عملية خلقه الفنية. محمد التريكي جعل إذن من أحاسيسه منبعاً للإبتكار لموسيقة خالدة.
فبعد خروجه من فترة الحزن، أراد التعبير عن هذه الحرقة، فطلب من الشاعر محمود بورڨيبة أن يكتُب له كلمات أغنية "زعمة يصافي الدهر" خصيصا له ليرثي حبيبته، ثم بدأ في عملية التلحين سنة 1921.
زعمة يصافي الدهر يا مشكايا...ونعود نضحك بعد طول بكايا
ترددت هذه الأغنية على أصوات عدّة على مدى عقود من الزمن و توارثها ألمع النجوم ولا تزال تصدح عبر أصوات أجيال جديدة. هي رائعة نقشت في الذاكرة الجمعية وهي متجددة دائمًا إلى درجة أنه لا يمكن اعتبارها مجرد مقطوعة من التراث.
محمد التريكي ليس ككل الملحنين
تعلم التريكي أصول الموسيقى منذ الصغر على قواعد صحيحة بدراسة النوتة والعزف على آلة الكمان من قبل أساتذة من أوروبا في مدرسة العلوية.
شغفه وحبه للموسيقى غير مسار حياته المهنية و العاطفية. ترك العمل كموظف حكومي في إدارة المال لينظم إلى جمعيات ومؤسسات فنية مثل الرشيدية وجمعية الكوكب التمثيلي حيث لحن الأوبيرت وأغاني القصص الروائية.
قام باكتشاف العديد من الفنانين في تونس ومنهم من تتلمذ على يديه كما قام بتلحين ما لا يقل عن 2000 قطعة موسيقية من أَغَانٍ وموشحات وسماعيات وأغاني مسرحية.
هو ملحن دخل وترك بصمة لا تمحى في تاريخ الموسيقى في بلادنا. حيث ساهم في عصرنة طريقة التلحين عبر تدوين المعزوفات التي كان يتواترها المبدعون آنذاك شفويًا.
"زعمة يصافي الدهر" روعة تلحينية وكلمات من لؤلؤ تنبع من صميم الواقع وتعبر عن أحاسيس وظلم العرف الإجتماعي الذي كان يرفض التعبير الفني في ذاك الوقت.
أغنية لم نعد نسمع مثلها في عصر أصبحت فيه الموسيقى استهلاكية تطغى عليها الربحية والركض وراء الشهرة السريعة.
فهل نوجه اللوم اليوم إلى المبدع الموسيقي أم نلوم المستمع الذي لم تعد لديه أذن ترفض الكلمات و أشباه النغمات ؟











































Comments