top of page

المسرح ذاك الفن الذي لا يشيخ (الجزء الثالث) : في موقع "المراقب العدمي" ومقاومة الرداءة - بقلم أسامة بن الحاج محمد

  • Writer: أسامة بن الحاج محمد
    أسامة بن الحاج محمد
  • 1 hour ago
  • 6 min read

هنا في سوسة تحديدا ولا يختلف الأمر كثيرا داخل ربوع هذا الوطن العزيز، تتكرّر ظاهرة تستحق القراءة من زاوية سوسيولوجيا الحقل الثقافي أكثر من قراءتها كإختلاف ذوقي عابر.


إذ يختار بعض الفاعلين موقع "المراقب العدمي" الذي يستمدّ شرعيته من سلطة الرفض وليس من إقتصاد الإنجاز أو تراكم التجربة فتصير اللغة النقدية أداة تموضع رمزي داخل المشهد غايتها إنتاج صورة المتفوّق أخلاقيا وجماليا عبر تقويض ما ينجزه الآخرون.


فالنقد المسرحي يا معشر المسرحيين تحديدا في معناه المعرفي هو ممارسة تحليلية تخضع لأدوات ومفاهيم من خلال قراءة للبنية الدرامية وإشتغال عن العلامة الركحية والبحث في علاقة الجسد بالفضاء والنظر في إيقاع الحوار إضافة إلى أنظمة الدلالة، كذا المرجعيات الجمالية وسياقات الإنتاج والتلقي...


خطابا إنفعاليا


أمّا الإكتفاء بأوصاف من قبيل "كلشيهات بصرية" و "حوار تعيس"، و"معنى مسموم" ومثل هذه المصطلحات تكشف خطابا إنفعاليا يكتفي بإصدار الأحكام دون بناء مسوّغاتها التأويلية.


وهنا سادتي يصير الخطاب أقرب إلى ما يسمّيه بعض منظّري الثقافة "الرأسمال الرمزي السلبي" وهو حضور يبنى على نفي القيمة عن الآخر أكثر من بناء قيمة ذاتية مستقلة لتتحول المراجعة الفنية إلى طقس إستعلائي، وتتحول "البلاغة القاسية" إلى قناع يوهم بالصرامة النقدية، فيما يغيب السؤال المركزي حول البديل الجمالي الذي يقترح و الأفق الذي يضاف إلى التجربة المسرحية...


يقينا نجزم أنّ المشهد المسرحي هنا وهناك لا يتضرر من النقد الصارم، فالتاريخ الفني في حد ذاته تأسّس على الجدل والإختلاف، غير أنّه يختنق داخل مناخ تتحول فيه الأحكام القطعية نوعا من تحقير التجارب.


هذه الأحكام في سياقنا التونسي تصبح من هنا أقصر الطرق نحو صناعة صورة "الخبير" دون مسؤولية معرفية أو أثر إبداعي قابل للإختبار.


لذلك بالله علينا وعليكم لنعمل ونجرّب...لنبحث ونخطئ ونطوّر بدل أن "ننبّر" وندّعي فيها "طز حكمة"...لأنا ميداننا المسرحي لم يعد يحتمل المعارك الوهمية أو المصلحية.

المسرح لا يعيد إنتاج الطمأنينة


المسرح منذ تشكّله الأول كان دائما فضاء لخلخلة المعنى وكشف التوترات الكامنة داخل الإنسان والمجتمع.


بعبارة أخرى لم يكن فنا يكرر يقين الجماعة أو يعيد إنتاج الطمأنينة الأخلاقية السائدة إنطلاقا من 'الديثرامب الإغريقي' المتصل بطقوس ديونيزوس، هناك أين إمتزج المقدس بالنشوة الجماعية والجسد والإحتفال، إلى الكرنفال كما قرأه "باختين" بوصفه لحظة تنقلب فيها التراتبيات وتتحرر اللغة من صرامة السلطة.


يظل المسرح فنا يولد من الهامش ومن الأسئلة المقلقة ومن الرغبة في كشف ما تحاول الجماعة إخفاءه خلف أقنعتها المستقرة. لهذا فإن تناول قضايا الجسد أو الهامش أو الأقليات أو حتى الهوية الجندرية لا يجعل العمل الفني بيانا دعائيا بالضرورة.


اليوم يمكن مساءلة المركزية الثقافية ويمكن نقد شبكات الدعم والشللية وهيمنة بعض الأسماء على المجال المسرحي.


ذلك نقاش مشروع وضروري بيد أن تحويل هذا النقد إلى رقابة أخلاقية على ما يحق للمسرح أن يقوله، يضعنا أمام تصور وظيفي ضيق للفن، وكأننا أمام ركح مطالب بأن يكون جهاز تربية جماهيرية أو ملحقا إيديولوجيا للدولة.


فالمسرح حتى داخل المؤسسات الرسمية، لم يكن عبر التاريخ أداة لترديد يقين الجماعة، والتراجيديا الإغريقية نفسها نشأت داخل المدينة الدولة وتحت رعاية السلطة والإحتفال العمومي.


مع ذلك طرحت أسئلة العنف والرغبة والقتل والقدر والجنون، ووضعت الإنسان في مواجهة هشاشته العارية ولنا هنا أمثلة كسوفوكليس ويوربيديس اللذان لم يكونا خارج الدولة.


مع ذلك أربكا الوعي الجماعي لمدينتهما...


إختزال أي عمل يتناول الجسد أو الهوية في كونه "أجندة" أو "تطبيعا"، فهو قراءة أخلاقوية للفن أكثر منها قراءة جمالية أو دراماتورجية.


لأن الفن لا يشتغل بمنطق الحلال والحرام، وإنما بمنطق التمثيل والكشف والتوتر الإنساني، كذلك عرض ظاهرة ما فوق الركح لا يعني التبشير بها، وإلا لتحول الأدب العالمي كله إلى سجل إتهامات أخلاقية.


ثم إن الحديث عن الدعم كما لو أنه نقيض للإبداع، يتجاهل أن أغلب التجارب المسرحية الكبرى في العالم إشتغلت داخل أشكال مختلفة من الرعاية العمومية أو المؤسساتية و الفرق الحقيقي ليس بين مسرح مدعوم وآخر مستقل، الإختلاف هنا بين فن يمتلك رؤية جمالية وفكرية، وآخر يكرر الصيغ المستهلكة مهما كان مصدر تمويله.


النرجسية المغلقة


المسرح التونسي يعيش أزمة عميقة، وصحيح أيضا أن جزءا من الخطاب المسرحي وقع أحيانا في النرجسية المغلقة وفي إعادة تدوير الأسماء والخطابات نفسها.


غير أن الأزمة هنا تكمن في إنهيار المشروع الثقافي ككل : تراجع التربية الفنية، إنقراض جمهور القراءة، سيطرة الإستهلاك السريع...وتحول الثقافة إلى هامش داخل المجتمع نفسه.


التفكير الحر صار مستحيلا خارج معجم الشبهة والتخوين والحال أنني شخصيا لم أتحصل يوما على دعم، ولا أملك شركة مسرحية، ولا أجلس داخل دوائر القرار الثقافي.


من الضروري أن لا يتحول النقاش حول المسرح إلى محكمة تفتيش رمزية.


الأجدر أن يتحول إلى اللغة الركحية، والخيال، والدراماتورجيا، وأزمة التلقي، وتحولات الذائقة، وعلاقة الفن بالعالم المتغير.


هناك يبدأ التفكير الحقيقي، وليس عند حدود الصراخ المتبادل...


أما تحويل أي اختلاف فكري إلى معركة تخوين...هو إعتراف ضمني بالعجز عن مجابهة الفكرة نفسها.


النقاش الثقافي الحقيقي يبنى بالحجة والمعرفة والقراءة وليس بتوزيع الصفات المغلوطة على الأخرين. ذلك للخروج من هيمنة السردية الواحدة التي تعيق تقدم الإبداع وتفضي حتما إلى التكرار.


المسرح قائم على الرجة و خلخلة اليقين

الدينوزيسي عند نيتشه يمثل إنفجار الحدود الصلبة للهوية والنظام والعقلانية الأحادية ويمثل إنفتاح الإنسان على 'الفوضى الخلاقة' والتعدد والسيولة ومن هذا التوتر بين الأبولوني والدينوزيسي ولدت التراجيديا بإعتبارها وعيا مأساويا بالحياة دون وصفها بالخطاب الأخلاقي المطمئن.


إن وصف المسرح التونسي كله بأنه "معبد مغلق" قد يحمل شحنة بلاغية قوية، لكنه يظل تبسيطا لتجارب متباينة ومختلفة ففي كل مشهد ثقافي توجد الرداءة كما توجد المحاولات الجادة و توجد الشللية كما توجد أيضا تجارب دفعت ثمنا باهظا من أجل البحث والتجريب.


ففننا الأب هذا لا يُقاس بمدى طاعته للوعي السائد، وله القدرة على فتح مناطق جديدة للتفكير والإحساس في عالم تتغير ملامحه كل لحظة، لذلك ظل المسرح فنا مقلقا عبر العصور، كما يتشقق ويتوتر ويتناقض في العمق.



لأن الفن لا يتحرك داخل منطق التحريم والتحليل الأخلاقي المباشر، وهو بالأساس داخل منطق التمثيل الجمالي للوجود الإنساني بكل تناقضاته وهشاشته وغموضه. فالمسرح وما أدرانا به لا يوزع اليقين ولاهم يحزنون وإنما يفتح المجال للأسئلة، والأسئلة بطبيعتها قد تكون صادمة أو مقلقة أو غير منسجمة مع الذوق السائد في لحظة تاريخية معينة.


أما مسألة التمويل وأنت الذي طرحت هذه النقطة فهي أكثر تعقيدا من إختزالها في علاقة طاعة بين الفنان والمؤسسة حيث أن الفنان ليس بموظف دعاية، والثقافة العمومية ليست جهازا لإعادة إنتاج رأي واحد أو حساسية واحدة و الفضاء الثقافي الحديث يقوم على التعدد وعلى حق الإختلاف داخل المجال الرمزي المشترك.


الفن الذي يتحول إلى خطاب أخلاقي مغلق يفقد جوهره القائم على المغامرة والتجريب وحرية التأويل.


وهنا أزمة المسرح التونسي مع جمهوره حقيقية دون شك، غير أن هذه القطيعة ترتبط بتحولات إجتماعية وثقافية أوسع بين هيمنة الصورة السريعة و تراجع التربية الجمالية وتغير أنماط التلقي و هشاشة السياسات الثقافية وإنهيار العلاقة العضوية بين المواطن والفعل الثقافي اليومي.


لذلك تبدو المسألة أعمق من ربطها بموضوعات بعينها أو بإعتبار الجرأة سببا مباشرا للعزوف.


ثم إن تاريخ المسرح نفسه يكشف أن كثيرا من الأعمال التي تحولت لاحقا إلى علامات كبرى قوبلت في بداياتها بالرفض والسخرية والإتهام، لأن الفن الحقيقي يسبق أحيانا حساسية عصره ويضع المجتمع أمام مرآة تكشف تناقضاته ومخاوفه ورغباته المؤجلة.


نذكر على سبيل المثال مسرحية "البرني والعترة"، إنتاج 1973، وهي تاريخيا علامة فارقة في المسرح التونسي.


قوبلت "البرني والعترة" بالرفض خاصة من الطبقة النافذة في تونس في بداية الأمر. العمل من تأليف نائلة بالحاج، وإخراج الفاضل الجعايبي، وبطولة النجم عبد القادر مقداد. وتُصنف خاصة في بداية الثمانينات كعمل مرجعي ينتقد الواقع السياسي والاجتماعي بأسلوب رمزي ساخر يعبر عن التهميش.


النقد التملقي يبدو طاغيا اليوم


النقد التملقي أو النقد الخاضع لشبكات المصالح هو مرض ثقافي قائم فعلا. غير أن مقاومته تمر عبر تأسيس نقد معرفي مستقل يمتلك أدوات القراءة والتحليل ويقترب من الأعمال بوصفها ظواهر جمالية وفكرية، بعيدا عن ساحات التخوين أو المحاكم الأخلاقية الجاهزة.


المسرح هذا الفعل النبيل يجعلنا أمام فن يعري الكائن البشري الإنسان أمام أسئلته الكبرى كالخوف والرغبة والسلطة و الجسد و الموت والهوية و العزلة والبحث الأبدي عن معنى داخل هذا الوجود المرتبك.


لذلك كان و سيظل المسرح فنا كونيا يتجاوز الحدود المغلقة، ويعيد في كل عصر إكتشاف الإنسان من جديد.


فالذي عاش التجربة المسرحية قراءة وكتابة وتدريسا، وإحتكّ بالنصوص المؤسسة والتجارب الكبرى، تتشكل لديه ذائقة تبحث عن العمل القادر على تحريك الفكر وإرباك اليقين وفتح أفق التأويل.


عندها يصبح حضور بعض الأعمال التي تقوم على التهريج السهل أو اللغة المرتبكة أو المضامين السطحية نوعا من الإستنزاف الجمالي أكثر منه مشاركة ثقافية.


وأزمتنا الحقيقية لا تكمن في وجود أعمال ضعيفة، فذلك أمر عرفه تاريخ الفن دائما، وإنما في تحوّل الرداءة أحيانا إلى معيار متداول، وفي السعي إلى تعويض القيمة بالضجيج، والمعرفة بالتضخيم، والعمق بالكثرة و الإستعراض


ويفقد المهرجان روحه حين يتحول إلى مناسبة بلا أثر، كما يفقد المسرح رسالته حين يتخلى عن أسئلته الكبرى لصالح الإستهلاك العابر.


ومع ذلك، فإن مقاومة الرداءة تظل موقفا ثقافيا نبيلا متى تأسست على الوعي النقدي وعلى الدفاع عن الجمال والمعرفة، لا على التحقير الشخصي أو الرغبة في إلغاء الآخرين كما يعمد الكثيرون في الساحة المسرحية.


فالرقي تصنعه القدرة على التمييز وعلى حماية الذائقة من الإبتذال وعلى الإنتصار للفن الذي يضيف إلى الإنسان شيئا من العمق والأسئلة والوعي وهو ما نجده مثلا كما عدّدت عند المبدع محمد علي سعيد أو الصادق عمار في إختياراتهم الإخراجية.


أسامة بن الحاج محمد









 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
 À l'affiche

    Lancé en 2015, culturetunisie.com avait une vocation de formation à l'écriture sur l'art avant de se transformer en 2020 en une plateforme spécialisée dans la couverture des manifestations artistiques et culturelles en Tunisie. Aujourd’hui, culturetunisie.com propose des articles journalistiques, des interviews et des portraits en trois langues : arabe, anglais et français.  

    Pour toute information, veuillez contacter Mohamed Ali Elhaou, fondateur de ce support culturel, à l'adresse suivante : elhaou@gmail.com

    Vos informations ont bien été envoyées !

    bottom of page