مسرحية "المسكونة" لشيماء الزعزاع تستدعي بذكاء روح إمرأة المسرح رجا بن عمار بالمعهد العالي للفن المسرحي
- Mohamed Ali Elhaou

- 23 hours ago
- 4 min read
Updated: 20 minutes ago
بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس تم يوم الخميس 18 جوان 2026 عرض مسرحية "المسكونة" للممثلة الواعدة شيماء الزعزاع. في مدة لم تتجاوز العشر أيام إستطاعت شيماء أن تكون في موعد وفي مستوى العرض ما قبل الأول.
جاء هذا العرض في شكل مونودرام كوميدي وتراجيدي في نفس الوقت. وقد إستطاع شد الجمهور لمدة ساعة أو أكثر بقليل. تمثيلا شارك في هذه المسرحية كل من أديب فضلاوي و ملاك مهذبي و ألفة ضياف. وكلهم مشاريع ممثلين.
فحوى العرض
تبدأ المسرحية بظهور "السيدة" وحيدة داخل غرفتها العلوية (العلية) وهي تتحدث مع نفسها في حالة صدمة نتيجة موت جارتها "فالونتينا". وفي وسط هذه الأجواء، ينفتح السرد على ذكريات السيدة وتناقضاتها الداخلية.
تحكي عن قصة حبها القديم وعن رغبتها الكبيرة وشغفها بالسفر ورؤية العالم هرباً من واقعها الخانق وكذلك للتمتع بحياتها وبحثا عن السعادة.
في هذه الأثناء نسمع صوت والدتها وهي تنادي عليها: "يآآآآآآآآآ سيدة...نعم يااااااااااااممممييييي" ، لنفهم أنها تعيش مع أمها المسنة في نفس البيت وهي المسؤولة عن رعايتها والاهتمام بها.
يرى المشاهد في عرض "المسكونة" شخصية السيدة وهي ممزقة تعيش تائهة بين عالمين : عالم الواقع اليومي الرتيب وعالم الخيال الرحب الذي تصنعه وتبعث فيه الحياة من خلال جهاز الراديو.
تستخدم سيدة المذياع كأداة لملإ حياتها و كمحفز لهروبها الذهني وبناء عوالم موازية.
من عادات السيدة لكسر عزلتها الإجتماعية التلصص ومراقبة جيرانها من غرفتها، لتخلق في كل مرة من هذه المراقبة حكايات وقصصاً من نسج خيالها.

مصدر الصورة : culturetunisie.com
مع تقدم العرض، ينتقل حديث السيدة بعد ذلك إلى هؤلاء الجيران، وهم ثلاثة : الزوج وزوجته "فالونتينا" من أصول إيطالية، وقريبته "زايلة".
تتجسد هذه الشخصيات الثلاثة على الخشبة عبر لغة جسدية حركية مكثفة، لتظهر بمثابة هواجس حية داخل عقل السيدة.
هذا المشهد المراوح بين العزلة والخيال والتمثلات يضع المتفرج في حيرة مستمرة حول ما إذا كان الجيران الذين يبرزون في مكان خلفي من الركح أشخاصاً حقيقيين في الواقع أم مجرد أوهام وخيالات يفرزها عقل السيدة الباطني هرباً من عزلته الخانقة.
هذه المواجهة مع الجمهور تنشأ نوعا من التعاطف مع هذه الشخصية المهمشة التي لا تستطيع تحقيق أقل طموحاتها. هي شخصية تهرب حتى من نظرات أي رجل لها.
وفي ختام هذا العرض الذي يمزج الكلمة بالحركة، تنجح السيدة في حسم صراعها الداخلي، فتخرج من غرفتها وتتجه إلى بيت الجيران لتقديم واجب العزاء، لتكسر بذلك حاجز الوهم وتلتحق بالواقع.
شكل "المسكونة"
في هذا العرض تم تقسيم فضاء اللعب إلى فضائين منفصلين يعكسان بوضوح الصراع بين الواقع والخيال.
يمثل الفضاء الأول غرفة "السيدة" (العلية) التي تضم أثاثاً من الطراز القديم مثل طاولة وكرسي ومعلاق ملابس وجهاز راديو.
تتحول هذه القطع البسيطة إلى أدوات حية تساعد السيدة على استرجاع ذكرياتها وصناعة عالمها الخيالي الموازي هرباً من وحدتها.
وفي المقابل، يظهر الفضاء الثاني ليمثل منزل الجيران بأسلوب يتسم بالبرود. يتكون هذا الفضاء الخلفي المحدد بضوء جانبي من أريكة وصندوقين من الحديد الصدئ.
يوحي هذا الصدأ بالخراب والموت وتآكل العلاقات الإنسانية داخل ذلك البيت. فعدم العناية بالمنزل يحيل إلى فقر مادي ومعنوي.
كما وقع استخدام الديكور والإضاءة كأدوات تعبيرية تفصل بين الغرفة المنعزلة والعالم الخارجي، مما يسمح للممثلة بالانتقال بسلاسة بين حقيقة واقعها وهواجس عقلها، ويساعد المتفرج على فهم أبعاد هذا التمزق النفسي بمجرد النظر إلى الخشبة.
ومن هنا يلعب الديكور في مسرحية "المسكونة " دورا يتجاوز مجرد تأثيث الفضاء فيتحول إلى أداة رمزية تعبر عن الحالة النفسية للشخصية وتدعم الصراع بين الواقع والخيال.
تنقسم وظيفة هذه القطع داخل العرض إلى :
أولا، في غرفة السيدة (العلية)، تكمن وظيفة هذا الأثاث القديم في تجسيد الزمن المتوقف والعزلة الخانقة التي تعيشها السيدة، و بنسبة للراديو، فهو القطعة الأكثر ديناميكية؛ إذ يؤدي وظيفة "المعبر" نحو العالم الخارجي، والمحفز الأساسي الذي تبني من خلاله السيدة عوالمها الخيالية الموازية هرباً من واقعها الرتيب ورعاية أمها المسنة. موسيقى الراديو هي الأمل المتجدد بالنسبة للشخصية.
ثانيا، في منزل الجيران، يتغير الديكور المتمثل في أريكة وصندوقين من الحديد الصدئ. تتجلى وظيفة هذا الفضاء في كونه تجسيداً مرئياً للهواجس والموت والاغتراب. فالأريكة تصبح مكاناً لتجمع الاشخاص (الزوج، فالونتينا، وزايلة). بهذا، يتحول الديكور من مجرد أشياء جامدة إلى عناصر تعبيرية حية. فبينما يمثل أثاث الغرفة القديم رغبة الذات في الانكفاء على ذكرياتها وصنع خيالاتها، يمثل أثاث الجيران الصدئ قسوة العالم الخارجي.
مرجعيته وإخراجه
أولا النص المرجعي لمسرحية "المسكونة" هو "ساكن في حي السيدة".
تعتبر مسرحية "ساكن في حي السيدة" (إنتاج عام 1989) واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ المسرح التونسي المعاصر، وهي من إبداع الثنائي الرائد: الفنانة الراحلة رجا بن عمار والفنان منصف الصايم عبر فرقتهما المستقلة الشهيرة "مسرح فو" (Théâtre Phou).
هذه المسرحية المرجعية لا تعتمد على السرد الخطي التقليدي (بداية، عقدة، حل)، بل تغوص في التخبط في الماضي واستدعاء الذاكرة، لتعكس أزمة الإنسان المعاصر في مواجهة الوجود، الاغتراب، والبحث عن الهوية داخل مجتمع يتحول سريعاً.
ان مسرحية "ساكن في حي السيدة" جاءت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي لتكرس توجه "مسرح فو" في الخروج عن السائد، والبحث عن أشكال تعبيرية حداثية تمنح الممثل حرية أكبر في التعبير العضوي والنفسي، وجعلت من رجا بن عمار مرجعاً أساسياً في المسرح التونسي والعربي كفنانة ملتزمة بالتجديد الجمالي وكذلك كمدافعة شرسة عن المرأة وحقوقها في المجتمعات العربية حتى وفاتها.
ثانيا، انطلقت الرؤية الاخراجية لهذا المشروع من تصور بسيط و واضح: العمل داخل فضاء مغلق واقعي يتمثل في منزل السيدة و امها و منزل الجيران و هذا التوجه نابع من "مرجعية واقعية" حيث يبين لنا عزلة شخصية السيدة المتمثلة في غرفتها الضيقة و منزل الجيران الذي يعكس الواقعية الرتيبة.
هذا البناء الواقعي لم يمنع من دمج ابعاد رمزية تعبر عن ما لا يقال بالكلام. من هنا يأتي دور التعبير الجسدي كلغة ثانية موازية للمنطوق حيث تفتح منافذ جديدة للفهم و التاويل.
توظيف هذا التوجه اللالفظي نجح إلى حد كبير في خلق عرض مسرحي يستفز الحواس و الفكر معا و يضع الشخصيات و المتفرج في مواجهة مخاوفهم و هواجسهم.
اما الانتقلات في الاحداث فقد تمت من خلال تغيير بسيط في الاضاءة. حيث تم ركحيا توظيف الإضاءة والمؤثرات الصوتية والسمعية والبصرية بشكل تكاملي ليخدم عزلة شخصية "السيدة" التي تعيش في قلب المدينة العتيقة بتونس العاصمة وتناقضاتها الداخلية.
ختاما، عرض "المسكونة" بسيط ومتميز إجمالا وهو يحمل طابعا إسبانيا من خلال الألوان الأحمر والأسود. كما أنه يستحق العيش لمدة أطول فيعرض لأحباء المسرح من خارج أسوار المعهد.
مقال مستوحى من الملف التقني للعرض












































Comments