تجلّى عرض "فصول" لعماد المي أيقونة إبداعية تأسر القلوب وتستفز العقول - متابعة من أسامة بن الحاج محمد

1 day ago
3 min read
Updated: 13 hours ago
انبعثت مسرحية "فصول" لورشة التفكير والبحوث المسرحية بالمركز الثقافي الجامعي "الحسين بوزيان" بتونس، أقحوانة برية تهدي الركح عبقاً شعرياً فريداً، وتصوغ من وهج السينوغرافيا وسحر الأداء ملحمة وجودية باذخة البهاء.
خرافة "فصول" تدور في بيتٌ يُبنى على الحب، ثم تهزّه أسئلة لا تنتهي: ما معنى الزواج؟ وما جوهر الأسرة؟ على الخشبة، لا أجوبة جاهزة… بل دعوة للتأمل في سرّ العلاقة الإنسانية.
نسج خيوط مسرحية "فصول" الفلسفية العميقة الكاتب معز التركي الذي صاغ نصاً يلامس تخوم الروح ويفكك شفرات الكينونة.
شقّ هذا الأثر الإبداعي غمار التميز بدءاً من موطنه، أين استأثر بالجائزة الأولى في مسابقة المسرح لديوان الخدمات الجامعية للشمال بتاريخ 10 ماي (الشهر الخامس) 2026 خلال حفل إختتام "المهرجان الثقافي والرياضي لديوان الخدمات الجامعية للشمال"، قبل أن يطير بجناحي الاستحقاق صوب أرض الكنانة، حاملاً لواء المسرح التونسي الطلائعيّ.

وفي ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي في دورته الثامنة الذي انعقد من 24 إلى 30 أكتوبر 2026 تحت شعار "المسرح حياة"، دورة "صاحبة السعادة إسعاد يونس"، تجلّى عرض "فصول" أيقونة إبداعية تأسر القلوب وتستفز العقول، متوّجاً برداء المجد عبر ثلاث جوائز باهرة:
جائزة أفضل إضاءة للمخرج عماد المي الذي أمضى على الرؤية السينوغرافية والتأطيرية وغزل الظلال بالنور وعمق الوجود بالاختيارات الموسيقية الملهمة.
جائزة أفضل ممثلة للمبدعة أنس مصباح التي وهبت الخشبة نبضها وجوارحها.
جائزة أفضل ممثل للباحث حازم الحجري الذي جسد الحضور الطاغي بتعبيره الآسر ومقاربته الركحية المدهشة.
إثر تتويجه قال المبدع عماد المي لموقعنا "فن تونس": "المسرح الجامعي بالنسبة إليّ ليس نشاطًا عرضيًا أو مناسبة عابرة، بل هو مشروع فكري وفني جاد، يقوم على البحث والمعرفة والممارسة الواعية. إنّه فضاء للإبداع والتفكير، ومساحة للتجريب والتعبير واكتشاف الذات والآخر".
ثم أضاف: "فأن يلتقي طلبة من اختصاصات مختلفة حول شغف مشترك بالفن المسرحي، وأن يخوضوا تجربة اكتشاف عوالمه المتعددة وتطوير قدراتهم الإبداعية، ليس بالأمر الهيّن".
مؤكدا أن: "المسرح لا يُختزل في العرض فقط، بل هو مسار تكويني يحتاج إلى معرفة وأطر أكاديمية ومنهجية واضحة. لذلك نشتغل ضمن ورشة متكاملة تنطلق من الطالب الشغوف بالمسرح، ليتلقى التكوين والتأطير اللازمين، ويُعدّ جسديًا وصوتيًا وفكريًا وجماليًا".
ومفسرا: "ومن خلال هذا المسار التكويني يتحوّل الطالب الهاوي تدريجيًا إلى مبدع واعٍ بأدواته الفنية، ومدركٍ لمعنى ما يفعل ولدور الفن في إنتاج المعنى وطرح الأسئلة ومساءلة الواقع".
ومنوها: "أنّ المسرح الجامعي في مسارنا ليس فضاءً للترفيه فحسب، بل مختبرٌ حقيقي لبناء الشخصية، وتنمية الحس النقدي، وصقل الخيال والإبداع، وإعداد جيل قادر على التفكير الحر والتعبير المسؤول من خلال الفن".
كما تشكّل هذا الألق الاستثنائي بتضافر خلاق لكتيبة خفية من المبدعين ساعدت عماد المي؛ حيث تجلّت دقة الاحترافية في التوضيب العام برعاية ألفة زديني وعلي الذيب، واكتملت جمالية الجسد بروح الجماعة في تصميم الملابس، وازدان الفضاء المسرحي بوهج الإضاءة التي نفّذها الفنان خالد الدبوسي، ليُتوّج هذا البهاء الإعلاني بمعلّقة بصرية ساحرة حملت توقيع الصحفي حافظ الشتيوي، فاختزلت فلسفة العرض قبل أن تفتح الستارة.
"الجائزة الحقيقية بالنسبة إليّ، هي أن يستمتع الجمهور لما نقدّمه، وأن يتفاعل ويتساءل ويفكّر بعد مشاهدته لعروضنا المسرحية. فهذه الأعمال، التي تنتمي إلى المسرح الجامعي، تقوم أساسًا على الطلبة؛ على أجسادهم وحواسهم وخيالهم وأصواتهم وطاقتهم الإبداعية"، أكد عماد المي.
مستطرِداً: "وحين يشعر الطالب المبدع، عند نهاية العرض، بالفخر، ويقتسم فرحته مع الجمهور من خلال تفاعله وتصفيقه، فإن ذلك يعدّ في حدّ ذاته نجاحًا حقيقيًا. والنجاح يولّد الرغبة في مزيد من النجاح، ويمنح الطلبة الثقة لمواصلة التجربة وتطوير قدراتهم، كما يفتح الباب أمام طلبة آخرين من بين الجمهور للالتحاق بالمسرح واكتشاف إمكاناتهم الإبداعية الكامنة".
"أمّا الجوائز التي نتحصّل عليها خلال المهرجانات، فهي بلا شكّ مصدر اعتزاز وحافز مهمّ لمواصلة العمل. وهي أيضًا شكل من أشكال الاعتراف بقيمة الجهد المبذول في عالم أصبح فيه الاعتراف بالنجاح أمرًا نادرًا وصعب المنال. غير أنّ قيمة هذه الجوائز لا تكمن في بعدها التنافسي فحسب، بل فيما تحمله من مسؤولية أخلاقية وفنية تدفعنا إلى مزيد من الالتزام بالإبداع، والاشتغال بوعي وصدق وجديّة. لذلك ننظر إلى كل تتويج لا باعتباره نقطة وصول، بل بوصفه دعوة إلى مواصلة البحث والتجريب والتعلّم، وإلى ترسيخ المسرح الجامعي بوصفه فضاءً للتكوين والإبداع وإنتاج المعنى، قبل أن يكون فضاءً لحصد الجوائز"، هكذا عبر المخرج عماد المي في ختام تصريحه.
تتويج باذخ إذن يمكن اعتباره وثيقة جدارة تاريخية تعلن سطوة الفن التونسي على الساحة العربية، وتؤكد بأن مختبرات المسرح الجامعي هي المعين الزاخر الذي يرفد المشهد العربي بطاقات متجددة قادرة على ملامسة الأقاصي وتخليد الروائع.












































Comments