top of page
  • يسرى شيخاوي

الغناء في الشمال الغربي يتمرد على السلطة الذكورية بالأنوثة

يتسم الحقل الثقافي بكونه متحرّكا وقابلا للتّطور ذلك أنه نتاج لعملية التراكم الثقافي التي تنشأ بفعل الإضافات التي تطرأ على الموروث الثقافي. والثقافة من الحقول التي تتداخل فيها العوامل التاريخية والدينية والمجتمعية والعلاقات بين الأفراد والجماعات والتفاعلات التي تفرزها هذه العلاقات والتقاليد والعادات والطقوس والتراث الشعبي، وهي في المجمل حصيلة التفاعل بين كل العوامل السابق ذكرها لتكون بذلك تعبيرا عن الإنسان بتمظهراته الفطرية والأخرى الوافدة عليه من محيطه الخارجي. وتحوز الثقافة الشعبية على مكانة هامة في حياة الأفراد ذلك أنها تعرض "قوالب" جاهزة تكون عادة معممة وشائعة الأمر الذي يجعلها قابلة للتبني بشكل عفوي ويغلب عليها الطابع الشفوي إذ أن أغلب أشكالها بما في ذلك التراث الغنائي والأمثلة الشعبية غير مدّونة، لكنها رغم ذلك ممتدة في التاريخ وتتخطى الحدود الجغرافية منها والاجتماعية لتنتقل من جيل إلى آخر مع بعض التغييرات التي تطال "هامشها" دون أن تمسّ "مركزها".


لعلّ هذا ما يجعل الموروث الغنائي التونسي عنصرا "حيا" يمتدّ إلى الحاضر بثقله التاريخي وينساب في المستقبل، وهو ربما تفسير لاستمرارية التراث الغنائي رغم الزّخم الذي تعرفه الساحة الفنية على مستوى الأنماط الموسيقية. ولئن وجد التراث الغنائي التونسي موضع قدم في الساحة الفنية المتحركة فإنّه اليوم يثير جدلا في علاقة بثنائية الأصالة والتجديد، إذ أنّ الأغاني التراثية باتت اليوم تخضع لما يسمّى "تهذيبا" سواء كان ذلك على مستوى المضمون أو الشكل وهو ما يمثل رهانا للحفاظ على الخصوصيات الفنية للتراث الغنائي التي تجعله متمايزا عن غيره من الأنماط الموسيقية.

Crédit photo: Mohamed Ali Elhaou©
عرض للفنان عبد الرحمان الشيخاوي في العبدلية بمدينة المرسى أوت 2018

العزف على أوتار الذاكرة الشعبية بأنامل عصرية


في هذا المستوى لا يمكننا المرور دون ذكر تجربة المخرج لسعد بن عبد الله مع عروض المنسية وتجربة فرقة برقو 08 إذ حاولت هاتين التجربتين إضفاء لمسة من التجديد على التراث الغنائي التونسي مع المحافظة على هوية هذا الموروث الشعبي. وقد التقت التجربتين عند نقطة "تجديد" التراث الغنائي من خلال استثمار الذاكرة الشعبية الغنائية وإضفاء طابع "حداثي" عليها. وقد جمّع المخرج الأسعد بن عبد الله التراث الغنائي بجهة الكاف سنة 2000 في عرض فرجوي بعنوان "المنسيات" باشراف مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف، وذلك في إطار الحفاظ على الذاكرة الشعبية. وعرض المنسيات جمع بين فنون الغناء والرقص والفرجة ونهل من التراث الغنائي لجهة الكاف لكنه في المقابل وظّف تقنيات وأدوات عصرية لإضفاء لمسة من "الحداثة" والتجديد" على العرض.


وقد حافظ العرض على مضمون التراث الغنائي على مستوى الكلمة والمقاطع إلا أنّه أضفى بعض التغييرات على الشكل الخارجي في علاقة بالتوضيب الركحي وإيقاعات جديدة تحدثها أجسام الممثلين على المسرح ليكون العرض ترجمة لاندماج الصوت والحركة. وقدّمت مجموعة برقو 08 نمطا موسيقيا تمتزج فيها الموسيقى الشعبية بالروك وإيقاعات الموسيقي الإلكترونية وقد انطلقت هذه "المغامرة" الموسيقية منذ أفريل 2016 وما تزال متواصلة إلى اليوم.


و المجموعة تأسست على يد عازف الأورغ والموزع سفيان بن يوسف والمغني والعازف نضال اليحياوي سنة 2009 نسبة إلى جبل برقو بولاية سليانة التي كانت منطلقا للنبش في الذاكرة الشعبية والتراث الغنائي للشمال الغربي. وفي عروض مجموعة برقو 08 تمتزج إيقاعات المزود مع الغيتار و الكلافيي وتنساب بينها كلمات من عمق التراث وسط إخراج لا يخلو من تجديد أضفته المؤثرات البصرية ليقدّم العرض موسيقى تجمع بين الأصالة والتجديد. فالمجموعة لم تكتف بترديد كلمات الأغاني المتداولة في ربوع الشمال الغربي وإنما سعت إلى تقديمها في صورة مغايرة من خلال توزيعها بطريقة عصرية تقطع مع الطابع "التقليدي" للتراث الغنائي.


نحت شاعرية مغرية


يعتبر تيودور أدورنو الذي اشتهر بدراسته للفن والموسيقولوجيا أنّ : "تجسيد حقيقة الفرد، وعلاقته مع البيئة والمجتمع وظيفة معرفية للموسيقى". واستنادا إلى ما ذهب إليه أدورنو فإن التراث الغنائي هو الآخر تجسيد لحقيقة الفرد وعلاقته مع محيطه، إذ ترجمت بعض الأغاني التراثية رغبة الأفراد في إقامة واقع اجتماعي بديل في السياق الذي ظهرت فيه تلك الأغاني. والتراث الغنائي يجسّد تمثّلات الفرد عن الحب وممارسة الحب في مجتمع "محافظ" حيث يلجأ العاشق أو العاشقة إلى "تشكيل" مشاهد مغرية بصور شعرية لا تمس "حياء" المجتمع الأم.


ويخفي العاشق رغبته بين ثنايا الصور الشعرية والعبارات "المهذبة" و"يحتال" على أعراف وتقاليد المجتمع "المحافظ" فيستدلّ على الحبيب بـ"الأخ" أو "الخال" أو"الغزال" ويستدلّ على الرغبة بـ"مرض الهوى"و "الداء". وفي أغنية "دليلة" التي أعادها الفنان عبد الرحمان الشيخاوي يتغنى العاشق بحبيبته ويسمّيها "غزالي" قبل أن يضرب نواميس المجتمع وأعرافه بعرض الحائط وينادي حبيبته باسمها.


وتقول الأغنية:

"عجبوني رمقات غزالي وحزامها يلعب شيطاني..

ويا دايا اللي كان راني مريّض هادليلة وبرّي في الأمان..

وعجبوني رمقات الطفلة وخدودها نوار الدفلة..

عجبوني عينين الطفلة وخدودها نوار الدفلة في وسط الوديان..

راني مريض ها دليلة دقدقني الحومان..

عجبوني عينين البنية وحزامها ليّة على الليّة قاتلني قاتلان..

راني مريض ها طفلة بري في الأمان..

عجبوني عينيك من ربي الحب والغرام يدربي على روس الكيفان..

هاني مريض ها دليلة دقدقني الحومان وبري في الأمان"


وتعني كلمات الأغنية أنّ العاشق معجب بنظرات غزاله وأنها تهزّ خصرها بطريقة شيطانية وأنها الداء ويطلب منها أن ترحل ليتغنى من جديد بوجنتيها وعينيها وخصرها ويشكوها ألم الحرمان ويعترف لها بأن الحب يجعل العاشق يهوي من قمم الجبال. ويظهر من كلمات الأغنية أنّ هذا العاشق يعيش حالة من العشق تشوبها لفحة من الحرمان فيتغنى بمفاتن حبيبته من عينيها إلى وجنتيها فخصرها ويشكوها لوعة البين ثم يطلب منها أن ترحل في تجلّ واضح لعدم قدرته على أن يسيطر على رغبته في الوصال.

وفي إحدى الأغنيات التي أعادت مجموعة برقو 08 إحياءها يقول العائق في حبيبته:

"هاي أحمر من الورد خدّك..

كمّل ملا الثلج سنّيك..

الجازية ما تضدّك ولو كان عندي مال هارون هاي نهديه ونبات عندك..

للّا راني نتكبّ يا طويلة بين صدرك والرقبة.."

ويصف العاشق حبيبته فيخرجها في صورة الفاتنة ذات وجنتين أشد حمرة من الورد وأسنان بيضاء مثل الثلج حتى أنه يجزم أنها أجمل من الجازية الهلالية التي تعتبر أيقونة الجمال في المخيال الشعبي. ويصرّح العاشق أنه على استعداد ليبذل كل ما يملك في سبيل ليلة يمضيها مع حبيبتها حتى أنه ذهب إلى وصف تفاصيل أخرى من جسد حبيبته في تعبير على شدّة توقه لها.

وتقول كلمات أغنية زعرة مصقولة الناب التي مازالت تردّدها النسوة في أعراس أرياف الشمال الغربي:

"هاي زعرة ياللي داك معذبني..

ماو هزي الشفة على الناب وخلي ربي يحاسبني..

وهيا نمشو للكاف ونهزو حرام وسورية ونزيدو سبعة شمعات باش نعدو السهرية".

وفي هذه الأغنية يدعو العاشق حبيبته إلى ممارسة الحب إذ يخبرها أن حبها يعذبه يدعوها إلى سهرة ليلية في الجبل فمفرد "الكاف" في هذه الأغنية لا تحيل على الكاف المدينة وإنما الجبل، ويطلب الحبيب من معشوقته أن تسمح له بتقبيلها ويخبرها أنه سيرضى بعقاب الله بشأن صنيعه. لكنه لم يلق بالا للمجتمع.

وقدّم عرض المنسيات للسعد بن عبد الله أغنية "جبال الكاف" التي تجسّد صورة العاشق الولهان الذي يرغب في الموت ليكون جسد حبيبته غسله وكفنه ولحده.

وتقول الأغنية:

"يا وهاها يا نجيك نجيك وها إنموت عليك..

ها يدّو خبري لاماليك..

هايقطروني بدمعة عينيك..

هايغسلوني بريقة سنيك..

ها يكفنوني بطرقة حوليك..

ها يدفونني وسط جواجيك..

يا يلحدوني بصباع يديك".

وتتماهى في هذه الأغنية معاني الوجد والرغبة وتنصهر الروح في الجسد، ففي الظاهر الحبيب يحاول أن يطفئ نارا شهوته لكنه يعكس حبا روحانيا يدفعه إلى الموت فقط من أجل حبيبته.

وفي أغنية "زينة زينة" التي أعادها الفنان عبد الرحمان الشيخاوي يدعو الحبيب حبيبته إلى أن ترفع رداءها "الحرام" ليرى وشمها وأن تكشف عن شعرها ويخبرها أنها عذبته وستجعله يموت من فرط الشوق وتقول الأغنية:

"زينة وهاي زينة وحبك راهو درباني..

وها عذبتيني هاي زينة علاش نموت نعاني..

زينة هاي زينة ماو هزي حرامك خلي نشبح وشامك..

وهاي هزي على السالف وهاي هابط متخالف ..

وهاي عذبتني علاش نموت مرايف".

وفي أغنية "الناقوس تكلم" التي قدّمت ضمن عرض المنسيات يتغنى الحبيب بخصر حبيبته ووشمها وخلخالها ويصور مشهد القبلة مع الحبيبة باستعمال عبارة "شفة على الشلغوم تسلم" وهي عبارة تحمل بين طياتها دلالة ايروتيكية وتشيح بخيال المستمع بعيدا خاصة وأنّ الأغنية انتهت باجتماع الحبيبين في "الكاليس".

وتقول كلمات الأغنية:

"ناقوس تكلم الكاليس ناقوس تكلم..

شفة على الشلغوم تسلم..

يا سيدي البي سرحلي مولات الليّ قوللها وقتاش نجي خلوني نقعد نتكلم..

مشو هكاكة والوشمة حيز الفكاكة..

ويا هذيكا هي وحزامها لية على اللية..

والخلخال راو تسمع ديه ثميكة نقعد نتكلم ..

هاي مشو صحيح ثلج وبرد ونو وريح نخاف عليك تزلق تطيح ونايا ديما عليك نخمم..

هذاك هو لا درقة لا حديث الدوة نمشيلو لغزالي من توة وثميكة نقعد نتكلم..

وركبنا الاثنين في الكاليس وهاي مجمولين والقعدة متع سلاطين ثميكة نقعد نتكلم".


تمرّد على السلطة الذكورية


ولا يخلو التراث الغنائي التونسي من نقد للواقع بمنحى استيتيقي فني إذ تغنت بعض الحبيبات بعشّاقهن في تمرّد صريح على الأعراف والتقاليد وهو ما يعكس نزعة نحو التحرر من بوتقة المجتمع "المحافظ" في تلك الفترة. وقد أثبتت أغنية "مرض الهوى قتالة" التي غنتها الفنانة سعاد محاسن أنّ التراث الغنائي ليس أسير حالة ذكورية بل إن المرأة أيضا تسلّحت بقدر من الجرأة والشجاعة لتتمرّد على صورة النمطية للمرأة التي ترضى بواقعها ولا تخالف تقاليد "الدوار" وتقر بأنها عازمة على اللحاق بحبيبها على ظهر حصانها من أجل أن تعيده إليها وتؤويهما خيمة واحدة في مشهد إباحي "مهذّب".

وتقول الأغنية: "مرض الهوى قتالة ومرض الهوى زاد علي..

والسكنى في الاجبال والخيمة تبات معلية..

نلحق عليه ونبات هاي فوق حرام وزربية..

نلحق على ريدي الغالي وما نخاف سيوفه كي تشالي ..

نلحق على ولفي الغالي لا نخاف سيوفة كي تشالي من فوق جبل العالي..

ناداني عشاقة ولا لوم علي..

وهاتولي حضاني ومقروني خل نلحق راهم فاتوني..

نعزم وما تشدوني خلوني نشق بحاري وبرية نلحق عليه ونبات فوق حرام وزربية..

نلحق على الغالي ونرده والطاير بالكمشة نشده يرجع ويتمم وعده".

وفي اغنية أخرى من تراث الشمال الغربي تنشق حبيبة عن "السرب" وتتغنى بـ"خالها" وتعلن صراحة تمرّدها على عادات مجتمعها وتحرّرها من "العار" وتصّرح بأنها ستعترضه في "الدوار" وتقبله حتى أنها تعتزم أن تصعد قمة الجبل وتصرخ أنها تحبه.

وتقول كلمات الأغنية: "هاي ونارو نارو نارين وناره ما تطفاش..

وهاي حمة ذبل العين ومنو ما نبراشي..

جيبولي خالي ومانموتش جيبولي خالي ومانموتشا..

جيبولي خالي ونشق الخلا واش بش يجرالي ياعذابي..

هاهاي هاوينا شق الدوار ويكركر في برنوصه وهاهاي مانيش خايفة من العار ونعرضله ونبوسه..

وهاهاي والكاف العالي ماعلاك نطلع فوقه ونشيد وهاهاي قوله لامه وباباه الكسيبة فرد وليد..

هاهاي طولو طولو طولين هاهاي وعرضو عرض الموجة وقولو لأخته أم الزين من حبه نمشي عوجة".

وقد عرضت أغنية "لسمر خويا" التي أحيتها مجموعة برقو 08 تمثلا عن ممارسة الحب في التراث الغنائي التونسي.

وكلمات الأغنية ": "يا لالي البارح جاني يلقاني راقدة وممدودة..

يا باسني خويا من العين السودة.. يا حليلي نحب نزهه معاك يا لالي..

البارح جاني يلقاني راقدة عالمخدة يا مخر الليل تعدّى..

يا لسمر خويا نحبّ نزهه معاك، يا لالي يا لالي..

وارقد وأرقد وتوسد زندي يا لسمر وتمتع يا لسمر..

ما دامك عندي ونحبّ نزهه معاك".

وفي هذه الأغنية العاشقة هي التي استبدت بها الرغبة في الوصال حتى أنها تدعو حبيبها الأسمر الذي أتاها في ساعة متأخرة من الليل إلى ممارسة الحب بطريقة ذكية من خلال قولها "نحب نزها معاك".

والأغاني التراثية وإن كانت في ظاهرها كلمات موزونة تنطوي على إيقاعات لا يصمد أمامها الخصر إذا ما تغنى بها أحد في عرس أو مهرجان سواء حافظت على خصائصها كنمط موسيقي مستقل بذاته أو تكيّفت مع لمسات التجديد لكنها في باطها تعكس نمطا مجتمعيا يتغنى بالحب قولا وممارسة ولا فرق فيه بين رجل وامرأة إلا بالجرأة.

يسرى شيخاوي



 À l'affiche
Derniers articles
Archives
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square
bottom of page