مداخلة الفنان علي اللواتي بقصر النجمة الزهراء : الاستشراق معايشة وانغماسا : رودولف ديرلانجي، رسّام سيدي بوسعيد
- Mohamed-Ali Elhaou

- Jul 11
- 6 min read
Updated: Jul 11
لا يعتبر علي اللواتي نفسه رساما رغم أنه صاحب 600 لوحة (مصدر المعلومة علي اللواتي نفسه) من بينها روائع في الفن المعاصر بقدر ما يعتبر نفسه شاعرا بالأساس.
عند الجمهور العريض إقترن إسم هذا الفنان المتأصل في ربوع تونس خاصة ب"الخطاب عالباب"(1996-1997) هذا المسلسل الذي عبر عن وجدان المدينة العتيقة ورونقها وعلاقاتها الحميمية المتسمة بالألفة والإحترام.
هو رجل ثقافة يشتغل في صمت وثبات بعيدا عن الصخب والحياة السريعة وأحيانا ضجيج المهرجانات الصيفية. هل سر نجاحه اليوم هو أنه لايملك حساب على ما يسمى بمواقع التواصل "الإجتماعي"؟
إلتقينا به في مركز الموسيقى العربيّة والمتوسّطيّة "النجماء الزهراء" بسيدي بوسعيد أحد ضواحي تونس العاصمة يوم 5 جوان 2026 (الشهر السادس من السنة الإدارية) على الساعة الثانية بعد الزوال بمناسبة مداخلته حول رودولف ديرلانجي.
وكانت كالآتي :
"هذه المداخلة، اختصاراً للبحث المُقَدَّمِ إلى مؤتمركم التزاماً بالوقت المحدَّد للمداخلات. سأشيرُ في البداية إلى بعضِ الأشخاص الذين تعاملوا مع البارون رودولف ديرلانجي في سياق حياته الفنية. بعضُهم فنانون من أصدقائه، وآخرون من مِهَنٍ لها علاقةٌ بالاستعداد المادي للمعارض ونقل الأعمال الفنية، وما تستلزمه العنايةُ بها.
لأنتقل بعد ذلك، وهو الأهم في نظري، إلى الحديث عن مسيرته كرسام في مرحلتيها الفرنسية والتونسية، مع بيان خصوصية أسلوبه، والمواضيع التي تناولها في لوحاته.
وسوف أعتمد في الحديث عن تجربته كرسام على ما توفر من أعماله، وما ظفرتُ به من مراسلاتٍ تتعلقُ بنشاطه الفني، فضلاً عن قصاصاتٍ صحفيةٍ محفوظةٍ في أرشيفه بقصر النجمة الزهراء.
إضافةً إلى ما أتاحه البحثُ من معطياتٍ حول حركة لوحاته في المتاحف أو في سوق الفن، إن شئتم.

وكنتُ أيامَ اضطلاعي بإدارة مركز الموسيقى العربية والمتوسطية، عند تأسيسه في العام 1992، قد ألفت كتاباً بالفرنسية عن سيرته عنوانه "البارون ديرلانجي وقصره النجمة الزهراء بسيدي أبي سعيد"، صدر سنة 1995 عن دار "سيمباكت" للنشر بتونس، وأفردتُ فيه فصلاً عن خصائص أسلوبه كرسام، ولعلها كانت أولَ دراسةٍ من نوع المونوغرافيا تُؤَلَّفُ ببعضِ التفصيل عن أعماله الفنية.
أصدقاء البارون
من بين مَن كانت لهم علاقةٌ وطيدةٌ بالبارون، بعضُ أصدقائه من الرسامين في باريس.
فقد كان في مطلع القرن العشرين مندمجاً في الأوساط الفنية الباريسية، ويتجلى ذلك في مبادرته بتنظيم معرض "الأحد عشر" "L'Exposition des Onze" الذي أقيم سنة 1907 بباريس.
وقد جمعه بعددٍ من أصدقائه وزملائه في أكاديمية جوليان، من بينهم: أدولف ديشنو Adolphe Deschenaux الحائز على جائزة روما الكبرى، وأندريه دوفومبي (André Devambez)، الفائز بها أيضاً، وفيليب لازلو Philip de László، رسام البورتريهات الأرستقراطية الأوروبية الذي رسم أفراد عائلة ديرلانجي وكان مقرباً منها.
وقد مثَّلَ ذلك المعرضُ محطةً مهمةً في مسيرته، وكشف عن قدرته على بناء علاقاتٍ وجمع فنانين من تخصصاتٍ مختلفة، وهي مهارةٌ أفادته لاحقاً عند إعداد كتابه الشهير "الموسيقى العربية"، حيث ساعدته شبكةُ علاقاته في جمع عددٍ من كبار ذوي الاختصاص للمساهمة في إنجازه.
ومن الصعب، في المرحلة الحالية من البحث في تراث البارون، الجزمُ بما إذا كان لأولئك الفنانين تأثيرٌ ما على أسلوبه التشكيلي.
ارتبط البارون، خلال فتراتٍ لاحقةٍ من مسيرته، ببعض الصداقات، منها علاقته بالرسام المستشرق ألبير لوي أوبلي (Albert-Louis Aublet)، الذي زار تونس في فترةٍ ما وأنجز أعمالاً مستوحاةً من طبيعتها وعمائرها. وكذلك علاقته بالناقد والكاتب لياندر فايّا (Léandre Vaillat)، صاحب كتاب "عقد الياسمين" (Le Collier de Jasmin)، الذي قدم فيه قراءةً جماليةً وثقافيةً للبلاد التونسية، وخَصَّ بيت البارون بسيدي أبي سعيد بوصفٍ شاعري.
أثناء إقامته في تونس، كان لديرلانجي صلةُ صداقةٍ بالرسام الروسي الأصل ألكسندر روبتزوف (Alexandre Roubtzoff)، الذي كان مثله شغوفاً بالرسم في الهواء الطلق، والاهتمامِ بالمناظر الطبيعية، مع اختلافٍ في المنهج، إذ اتجه ديرلانجي إلى أسلوبٍ أكثر تلقائيةً وتحرراً، بينما ظل روبتزوف وفياً للتقاليد الأكاديمية، خاصةً فيما يرسمه من بورتريهات للطبقة الثرية، من المستوطنين أو للأهالي.
كان الرسام الروسي يتردد على قصر ديرلانجي في حياة البارون وحتى بعد وفاته، واتخذ من محيط القصر وحدائقه مواضيعَ لرسومه، مثل لوحة قصر ديرلانجي (نافورة حائطية) ولوحة الحديقة الفارسية من سنة 1927، ولوحة الباحة والواجهة الأمامية لقصر ديرلانجي من سنة 1943.
العلاقات المهنية للبارون
اعتمد البارون في تنظيم معارضه في المملكة المتحدة وفي فرنسا على مؤسساتٍ متخصصةٍ في إدارة الأعمال الفنية، بما يشمل النقل والتخزين والشحن والتغليف والتأمين للأعمال الفنية، مثل وكالة جيمس بورليت وأولاده (James Bourlet & Sons) في لندن.
كما تعامل مع شارل روبير شيسمان (Charles Robert Chisman)، الوكيل الفني المؤسس لمكتب المعارض الفنية (Art Exhibitions Bureau) بلندن كذلك. وهو الذي اضطلع بتنظيم معارضه المتنقلة ومشاركاته في فعالياتٍ فنيةٍ داخل لندن وخارجها. كما كان وسيطاً بينه وبين منظمي المعارض وقابضاً لعائدات بيع لوحاته نيابةً عنه. وكانت تلك المهام تُوَكَّلُ في فرنسا إلى ممثلين كانوا يتتابعون على القيام بها لحساب البارون، خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
الرسام وأعماله
سنتحدث عن فن الرسم عند رودولف ديرلانجي، وهو بُعْدٌ لا يقلُّ أهميةً عن أبعادٍ أخرى من شخصيته التي اكتسبت موقعاً خاصاً في التاريخ العام للاستشراق.
قبل نحو عقدٍ من ولادته في باريس في بولوني بيلانكور (Boulogne-Billancourt) سنة 1872، شهدت الفنون التشكيلية تحولاتٍ كبيرةً في جماليات الفن ووظائفه. وعندما اتجه رودولف إلى دراسة الرسم، كان ذلك ضمن سياقٍ فنيٍّ متحولٍ، شهد صِداماً بين الفن الأكاديمي المحافظ وبين تياراتٍ واقعيةٍ وحداثيةٍ متحررة.
وقد كانت مؤسسة "الصالون" (Le Salon) الرسمية، ومدرسة الفنون الجميلة، تمثلان الاتجاه المحافظ، وإليه تنتمي أسماءٌ شهيرة، مثل ويليام بوغيرو (William Bouguereau) وألكسندر كابانيل (Alexandre Cabanel) وجان ليون جيروم (Jean-Léon Gérôme) وغيرهم، بينما مَثَّلَ التيارَ الحداثيَّ غوستاف كوربيه (Gustave Courbet) وفنانو مدرسة باربيزون (École de Barbizon) وإدوارد مانيه (Édouard Manet)، وهؤلاء هم من الانطباعيون الذين اقترحوا رؤيةً جديدةً للرسم من حيث المواضيع والمعالجة.
وقد انعكس الاختلافُ بين التيارين بطريقةٍ ما على أسلوب البارون، الذي حاول أحياناً الجمعَ بين تأهيله الأكاديمي الذي تلقاه في أكاديمية جوليان، وبين معالجةٍ أكثر حريةً لأعماله الفنية.
تلقى رودولف ديرلانجي إذن تعليماً فنياً تقليدياً في باريس بأكاديمية جوليان. وطبع ذلك مجمل منجزه الفني إلى آخر حياته. كان ابن عائلةٍ ثريةٍ، أمكنه ذلك التفرغ تماماً للفن في مرسمه بشارع لافونتين (Rue La Fontaine) بباريس.
وكان يرسم بذائقةٍ استشراقيةٍ محافظة، مثلما يبدو ذلك في أعماله الحرفية، لوحة "المفضلة" (La Favorite)، وهي ذاتُ أسلوبٍ أكاديميٍّ تقليديٍّ في الألوان والتكوين وفي المعالجة التشكيلية. وكذلك الشأن بالنسبة للوحة شاب عربي بزي الصيد، ولوحات أخرى.
البارون ديرلانجي.. رسام البورتريه
كان البارون كذلك رسامَ صُورٍ شخصيةٍ، بورتريه، غير أنه لم يُعْرَفْ مثلَ بعض الرسامين المستشرقين بما يُسَمَّى "بالبيتوريسك" (Le Pittoresque)، تلك الصور المُجْتَرَّةُ للأهالي ذوي المظاهر المثيرة للفضول، والمناظر التي تبدو غريبةً أو نموذجية، ولم ينجرف إلى تلك الوجوه المجهولة التي كثيراً ما سعى الرسامون المستشرقون إلى تصويرها لاتباعِ النموذج المكرس للأهالي في الذهنية العامة للمستوطنين الأجانب، حيث يُمَثَّلُ هؤلاء في هيئة البؤساء أو ذوي العاهات كالمتسولين أو العميان.
كان رودولف يرسم البورتريهات بحسٍّ مرهفٍ وتعاطفٍ مع النماذج المصورة، مثل ابنه ليو (Leo)، وزوجته بيتينا (Bettina)، وخوري مدينة الكرية (Le Curé)، وأصدقاء مثل عمار البكوش والدكتور شارل نيكول الشهير، والطفل مختار، رفيق ألعاب ابنه ليو، وغيرهم من سكان سيدي أبي سعيد، من عامة الناس أو الأعيان، والموسيقيين المتصوفة مثل معلمه الروحي أحمد الوافي.
وقد شكلت تلك الصور معرضاً حقيقياً لوجوهٍ مألوفةٍ كانت تسكنُ عالمَ رَجُلٍ سَمْحِ الأخلاق يُولي كُلَّ الأهمية لقِيَمِ التواصل مع المحيط الإنساني من حوله.
طرق التنفيذ
كان الفنان في مرسمه بسيدي أبي سعيد من حين لآخر يرسم بطريقةٍ أكاديمية، يتميزُ بالطبقات اللونية المتراكبة، واستخدام الطلاءات الشفافة (Glacis) على الطريقة القديمة، وتقنيات الضوء والظل، والألوان الغامقة.
أما المناظرُ الطبيعية في الهواء الطلق، فكانت ألوانُها أكثرَ تحرراً وإشراقاً، معتمدةً التناغمات الباردة والمضيئة بفعل تأثير النور الصريح للسماء والبحر. وكان يرسم مناظره الطبيعية بتقنية "ألا بريما" (Alla Prima)، وهي طريقةُ تنفيذٍ سريعٍ وحرٍّ للموضوع، تسمحُ بإتمام اللوحة في جلسةٍ واحدةٍ أو جلساتٍ قليلة، وتمنح العملَ مادةً لونيةً ثريةً، تُبْرِزُ آثار حركة الفرشاة عليها، مما يُكْسِبُها حضوراً مادياً يفصل واقع اللوحة عن واقع الموضوع المُمَثَّل.
وهو مبدأٌ أساسيٌّ من مبادئ الفن الحديث.
البارون والحياة الفنية المحلية بتونس
لم يشارك ديرلانجي خلال وجوده بتونس في معارضِ الصالون التونسي، وهو أهم تظاهرة فنية سنوية آنذاك. في حين اعتاد صديقه ألكسندر روبتزوف العرضَ فيه بانتظام.
ولا يُعْرَفُ السبب الحقيقي لعزوفه عن المشاركة في الصالون، رغم أهميته في الحياة الفنية. ومع ذلك فقد قَدَّمَ لتلك المؤسسة منحةً ماليةً سنة 1931، حسب ما جاء في رسالةِ شُكْرٍ بتاريخ 13 ماي 1931، بَعَثَ بها إليه رئيس الصالون التونسي ألكسندر فيشي (Alexandre Fichet)، بريشة ماكس مورو، وهو رسام كذلك من المستوطنين الأجانب في ذلك الوقت، والرسالة محفوظة في أرشيف قصر النجمة الزهراء.
كما سُجِّلَتْ مشاركاتُه بين سنتي 1926 و1931 في صالون الفنانين التونسيين الذي أسسه أندريه دو لاكروا، منشقاً عن صالون الفنانين التونسيين، إثر خلافٍ مع رئيسه ألكسندر فيشي.
البارون والاستشراق
يُصَنَّفُ ديرلانجي ضمن رسامي الاستشراق في مرحلةِ غروبه أو تراجعه على الساحة الفنية. والمُتَسَائِلُ، أي اتجاهٍ سلكه في هذا المجال؟
فالاستشراق من حيث كونه نهجاً فكرياً وموقفاً ذهنياً، يستندُ إلى معطياتٍ نفسيةٍ لا واعية، وأحياناً متناقضة، تجمعُ بين الخوف والانبهار من الآخر في آنٍ واحد. ويراوح بين شعورٍ نرجسيٍّ بالتفوق عليه، ورغبةٍ في تملكه رمزياً، وعلى الطرف المقابل، نجده يجنح أحياناً إلى التعاطف معه، وربما إلى الرغبة في الاندماج به والذوبان فيه.
ومن خلال أعمال البارون العلمية والفنية، وفكره، وتجربته الحياتية، نميل إلى تصنيف البارون ضمن الاتجاه الثاني، حيث أنه احتفظ طيلة حياته بعلاقةٍ وثيقةٍ وشبه حميميةٍ مع البلاد التي احتضنته.
إنها علاقةُ انغماسٍ حقيقيٍّ في حضارة الإسلام، كما تشهدُ بذلك جهودُهُ في إحياء الموسيقى العربية، وانخراطه في الحفاظ على العمارة التقليدية، والتخطيط العمراني للمدن التونسية، واهتمامه بالتصوف الإسلامي من خلال علاقته بالشيخ أحمد الوافي.
كل ذلك، يجعل منه مستشرقاً غير عادي، ولا يكفي في رأينا، أن يُنْظَرَ إليه كمجردِ باحثٍ في علوم الموسيقى، أو رسامٍ رَحَّالَةٍ، يبحث عن مشاهد شرقيةٍ جذابة".
شكراً على الانتباه، علي اللواتي
5 جوان 2026












































Comments